ربما لاحظ البعض أن المتحاورين الفلسطينيين استهلكوا وقتا وجهدا فوق العادة، وهم يسعون إلى التوافق أو التراضي على صياغة مشتركة لبنود ما يعرف بوثيقة الوفاق الوطني. ومن هؤلاء من تساءل بالفعل عما إذا كان إدراج جملة من نصف سطر أو كلمة أو مصطلح يستدعي أو يستحق جدلا ونقاشا امتد أحيانا لساعات أو حتى أيام.

ونتوقع أن يبلغ التساؤل حدود الدهشة والامتعاض عندما يعلم هذا البعض بأن نفرا من المتحاورين لم يلقوا بكلمتهم أو مواقفهم النهائية إزاء نصوص ونقاط بعينها مطروحة على الطاولة، قبل طلب وقت مستقطع يعودون فيه إلى مراجعهم القيادية العليا أو حلفائهم في عاصمة يستمزجون رأيها بالجوار القريب أو البعيد من غزة ورام الله!

والحال أن مشهد التدافع الفصائلي داخل أحدث و آخر جولات الحوار، حول كل تعبير وإشارة ونقطة وفاصلة، بدا مثيرا لأسباب متعارضة. فهناك من كانوا ومازالوا يتعجلون ثني حماس، حركة وحكومة، عن مواقفها وطيها تحت عباءة المنخرطين في «عملية التسوية» على مقاس مراحلها السابقة البائسة، وكذا تحت الشروط الإسرائيلية الأميركية التي تم تدويلها عبر «الرباعية الدولية».

بينما هناك من ساءهم تباطؤ الحوار، لأنهم يخشون عليه من الانتكاس والتوقف قبل أن يلتقي المنغمسون فيه على كلمة سواء وجوامع مشتركة ترد كيد الساعين لإفشاله وإبداله بلغة القتال الأهلي.

إلى هذين الفريقين، من ذوي النيات المريضة ومعاكسيهم على طول الخط، ثمة من يبدي دهشته من تجربة الحوار الأخيرة، لأنه لم يتعود نشوء المواقف والسياسات الفلسطينية عن تناظر ديمقراطي حقيقي معمق. فلطالما كان تبلور هذه السياسات والمواقف بين يدي حركة فتح، بإرادة عليا نافذة لزعيمها الراحل ياسر عرفات، كفيلا بخروجها إلى النور والمعنيين دون عوائق مؤثرة.

وبالطبع كانت فتح وزعيمها بسيطرتهما شبه المطلقة على صناعة السياسة والقرار داخل النظام الفلسطيني، قادرين في معظم المناسبات والمراحل على فرض تفسيراتهما للمواثيق والقرارات التي سبق أن بلوراها بمعرفتهما.

وقتذاك، لم تخل العملية السياسية الفلسطينية من القوى المعارضة التي دأبت على مناقشة فتح وعرفات ومحاججتهما في صحة التوجهات وسلامة المواقف والخطوات. غير أنها كانت معارضة قليلة الفعالية والحيلة بسبب ضآلة حجمها وضعف مواردها، وغالبا ما تم تجاوز رؤاها حتى وإن أدى ذلك إلى غضبها ومقاطعتها المؤقتة للنظام برمته.

لدينا الآن عملية سياسية مختلفة تماما، أبرز ملامحها القطبية الثنائية من فتح وحماس. لقد ذهب عهد القطب الكبير،فتح، الذي تدور حوله منمنمات تنظيمية تصغره بكثير ولا قبل لها برد كلمته وإرادته إذا ما قرر وأراد.

وبالتداعي توفرت شروط الحوار الحقيقي، الذي لابد وأن يمعن كل طرف من أطرافه في أطروحاته ويجادل عنها مثبتا جدارتها وأحقيتها بالقبول والمرور، هذا وإلا لن يتمكن من طرق الطاولة بقوة وفرضها عنوة في لحظة معينة، ثم تفسيرها على هواه إن اقتضت الحاجة لاحقا.

أمر طبيعي والحال كذلك أن يطول الأخذ والرد وتكثر المساومات والمنازلات القانونية والسياسية، لأن ما سيصدر عن الحوارات ويخرج به المتحاورون على الناس من الآن فصاعدا سيكون ملزما لفلسطين، المنظمة والسلطة والفصائل.

وإذا لم يكن هذا المخرج واضحا في مبناه ومغزاه، لا يحتمل التأويلات، فلن تكتب له الحياة، وسيكون مدعاة لتجدد الفتن والمنازعات الداخلية بسبب قوة الاتجاه المعاكس. نتصور ذلك وفي الخاطر، أن المتنفذين في عهد الأحادية القطبية الفتحاوية تمكنوا بقدرة قادر من ليّ الكلم والقرارات والمواثيق وصرفها عن مواضعها ومراداتها من غير أن يعبأوا بتقديرات وتفسيرات بقية شركاء النظام الأقل شأنا وطاقة على المنافسة.

من ذلك مثلا، أن أنصار اتفاق أوسلو وقيام سلطة الحكم الذاتي في الضفة وغزة، يحيلون تصرفهم بهذا الخصوص إلى برنامج النقاط العشر المرحلي الذي أقره المجلس الوطني لمنظمة التحرير في عام 1974. غير أن ذلك البرنامج لمن لا يعلم كان يقصد قيام سلطة فلسطينية على أي أرض يتم تحريرها، دون اعتراف بإسرائيل أولا، ومع اعتبارها سلطة يناط بها استكمال هدف التحرير والعودة ثانيا، ومن غير إلقاء السلاح ضمن وسائل الكفاح الوطني ثالثا!

ويتسع المقام لمثل آخر وليس أخيرا. ففي مارس 1977 تحدث البند 14 من قرارات الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني للمنظمة عن «أهمية العلاقة مع القوى اليهودية الديمقراطية والتقدمية المناضلة داخل الوطن المحتل وخارجه ضد الصهيونية كعقيدة وممارسة..».

ورغم وضوح هذا القرار في إشارته للقوى اليهودية المقصود التواصل معها، إلا أن المتابعين لم يلبثوا غير بعيد، حتى وجدوا متنفذين كثيرين في أعلى مستويات المسؤولية بالمنظمة قد نصبوا حوارات ولقاءات وملتقيات مع جهات يهودية لا تخفي صهيونيتها وإسرائيليتها، ولا صلة لها بالديمقراطية والتقدمية!..

ويستدعي السياق الاستطراد إلى أنه من وحي هذه الأنشطة والاتصالات التي طافت لسنوات بعواصم شرقية وغربية يعز حصرها، كان اتفاق أوسلو وتوابعه بكل تداعياته التي نسمع ونرى.

يصح والحال كذلك الاعتقاد بأن الحوار وتبادل الآراء والحجج أفضل بكثير لسلامة الحالة الوطنية الفلسطينية من التقاذف بالرصاص في الميادين والشوارع والأزقة.

وأن الاصطبار على الحوار وإعمال النظر في منتجاته بغرض التجويد والوضوح ومنع الالتباس، أهم بكثير من عمليات السلق وبرامج «التيك أواي» التي يبغيها المرجفون أو المشفقون. وإذا كان هناك من يدعون إلى نظرية طول النفس التفاوضي مع إسرائيل، فإن إسقاط هذا الرجاء على تحاور أهل البيت الفلسطيني لابد أن يحظى بالأولوية اليوم وغدا وفي كل المناسبات كلما لزم الأمر.

كاتب وأكاديمي فلسطيني