خرجت روسيا بنصيب الأسد من التركة السوفييتية حيث استأثرت وحدها بنحو 80 % من ترسانات الاتحاد السوفييتي الصناعية والعسكرية والنووية، إلى جانب الثروات الطبيعية الهائلة الواقعة داخل أراضيها من النفط والغاز والمعادن وغيرها، وإلى جانب هذا ورثت موسكو المقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي.
هذا الميراث الهائل كان يكفي وحده لأن تحتفظ روسيا بمكانتها على الساحة الدولية كقوة عظمى لا ينافسها أحد سوى واشنطن، فقد ورثت روسيا المستقلة ترسانة عسكرية ضخمة تعادل في قوتها وعدد أفرادها ضعف القوة العسكرية لقارة أوروبا كلها مجتمعة.
ولا تقل كثيرا عن القوة الأميركية بل تتفوق عليها في بعض المجالات مثل سلاح الغواصات النووية والصواريخ الاستراتيجية بعيدة المدى، هذا إلى جانب القوة الاقتصادية المتمثلة في واحد من أكبر إنتاج واحتياطي في العالم من النفط والغاز الطبيعي والفحم، وثروة طبيعية هائلة من المواد الخام والمعادن الثمينة مثل الذهب والماس والمعادن الأخرى.
وعشرات الآلاف من مصانع الصناعات الثقيلة والخفيفة، وثروة بشرية كبيرة من العلماء والخبراء والمختصين في كافة المجالات الحيوية والاستراتيجية، وغير ذلك من الثروات، كل هذه القوة الاقتصادية والعسكرية والنووية والأمنية والعلمية والبشرية ورثتها روسيا وحدها عام 1991 من الاتحاد السوفييتي.
مما كان يؤهلها بسهولة للاحتفاظ بمكانتها كقوة عظمي ثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، ولكن روسيا في عهد يلتسين فقدت وبسرعة غريبة هذه القوة كما فقدت أيضا جيرانها وحلفاءها ومكانتها كدولة عظمى مؤثرة على الساحة الدولية، وأكثر من ذلك أصبحت مهددة بالتفكك والانهيار الداخلي.
المحللون والمراقبون الروس يصفون عهد الرئيس السابق بوريس يلتسين بأنه الأسوأ في تاريخ روسيا القديم والحديث، وحتى الذين كانوا ينسبون له الفضل في تحقيق الحرية والديمقراطية والقضاء على الشيوعية يقولون عنه إنه تحول من بطل شعبي قادم من صفوف الشعب إلى دمية مريضة ومشوهة يلعب بها أصحاب المصالح الخاصة وعصابات المافيا والنخبة من رجال الأعمال الروس.
وبعد وقت قصير ظهر العديد من المليارديرات الروس في بلد كان حتى عام 1990 لا يوجد فيه مليونير واحد، استولى رجال الأعمال ورؤساء عصابات المافيا على الشركات الروسية العملاقة ضمن برامج الخصخصة وبأرخص الأسعار.
وقدر البرلمان الروسي عام 1999 خسائر برامج الخصخصة في عهد يلتسين بنحو ثلاثة تريليونات من الدولارات (أي ما يعادل الميزانية العمومية للولايات المتحدة الأميركية لمدة عامين،وما يعادل أكثر من مجموع ميزانيات دول القارة الأوروبية كلها مجتمعة).
إلى جانب الانهيار الاقتصادي والاجتماعي عانت روسيا في عهد يلتسين من انهيار سياسي كبير على المستويين الداخلي والخارجي، حيث تمكنت النخبة من رجال الأعمال الجدد من مراكز صنع القرار السياسي في الكريملين حتى أصبح أحدهم، وهو اليهودي الروسي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية «بوريس بيرزوفسكي»، والهارب الآن في لندن هو الذي يدير شؤون الحكم في الكريملين من خلال سيطرته على الرئيس يلتسين وعائلته.
حتى أطلقت عليه مجلة فوربس الأميركية لقب «الأب الروحي للكريملين»، وانعكس هذا بشكل كبير على السياسة الخارجية لروسيا علي الساحتين الإقليمية والدولية، حيث أدى الانهيار الداخلي في روسيا إلى فقدان ثقة جيرانها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق في مكانتها وقدرتها على ريادتهم ودعمهم أمنيا وسياسيا وعسكريا فانفضوا عنها وذهبوا يبحثون عن قوى أخرى تدعمهم وتساعدهم.
حيث كان الغرب والولايات المتحدة يفتحان ذراعيهما لهم سعيا للقضاء على ما تبقى من القوة السوفييتية العظمى، وبدت روسيا كعملاق مريض وعاجز عن حماية نفسه.
لم يكن اختيار يلتسين والنخبة من رجال الأعمال اليهود الروس لبوتين موفقا بالنسبة لهم على الإطلاق، وكيف يكون بوتين مثلما يريدون وهو الذي نشأ وترعرع في أحضان جهاز الاستخبارات السوفييتية العملاق «كي جي بي»، وتشبع بأفكار الدولة السوفييتية العظمى وإنجازاتها العملاقة وانتصاراتها في الحرب العالمية وطموحاتها.
وقد انعكس هذا الإحساس لدى بوتين بشكل واضح في تصريحه الشهير الذي أدلى به بعد فوزه للمرة الثانية في انتخابات الرئاسة حيث قال «لقد كان انهيار الاتحاد السوفييتي مأساة وكارثة قومية شاملة، ولم يعد على شعوب جمهورياته بأي خير بل زاد من مشاكلهم».
ما كاد بوتين أن يستقر له الأمر ليحكم البلاد حتى بدأ الإصلاح بأجهزة الأمن أولا باعتباره في الأساس فردا منها ويعلم مدى أهميتها، ثم توجه للإصلاح الاقتصادي حيث شن حملته القوية على أباطرة المال ورجال الأعمال الذين استولوا على ثروات البلاد وحولوها لخدمة مصالحهم الخاصة ومصالح الجهات الأجنبية التي يعملون لحسابها.
وركز بوتين حملته على القطاع الحيوي المهم «النفط والغاز» الذي وضعت النخبة من رجال الأعمال يدها على أكثر من 80% منه في عهد يلتسين، وواجه بوتين حربا شرسة مع أباطرة النفط الروس أسفرت عن هروب بعضهم للخارج مثل اليهودي بيرزوفسكي والحكم على الملياردير الروسي اليهودي ميخائيل خودركوفسكي صاحب شركة النفط العملاقة «يوكوس» بالسجن لمدة تسعة أعوام بتهم الفساد والتهرب من الضرائب.
أولى بوتين اهتماما أكبر للمؤسسة العسكرية الروسية التي شهدت انهيارا ملحوظا في عهد الرئيس يلتسين، وسخرت الحكومة الروسية الجزء الأكبر من ميزانيتها ومن عائدات النفط والغاز لدعم الصناعات العسكرية الروسية حتى عادت روسيا تغزو أسواق السلاح العالمية لتصبح في عام 2004 ثاني أكبر دولة مصدرة للسلاح بعد الولايات المتحدة الأميركية.
لقد بدا واضحا أمام الرئيس بوتين خطر التغلغل الأجنبي في الفناء السوفييتي، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، ومع انطلاق الحملة الأميركية ضد الإرهاب في أفغانستان، وتغلغل حلف شمال الأطلسي في الجمهوريات السوفييتية السابقة طيلة سنوات التسعينات وإعلانه عن نيته التوسع شرقا حتى الحدود الروسية.
وقد استشعر بوتين مخاطر التغلغل الأجنبي في الجمهوريات المجاورة، وخاصة في نوفمبر 2003 مع أحداث الثورة الملونة الأولى في جورجيا التي أطاحت بحكم الرئيس إدوارد شيفرنادزة وأتت بنظام جديد برئاسة الشاب ميخائيل سيكاشفيلي الذي أعلن ولاءه التام لواشنطن وأمر بطرد القاعدة العسكرية الروسية من جورجيا وناصب العداء لروسيا في تصريحاته.
ولم يمض على الثورة الملونة في جورجيا عام واحد حتى وقعت ثورة ملونة أخرى في أوكرانيا ثاني أكبر جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بعد روسيا، والتي تشكل بالنسبة لروسيا أهمية خاصة استراتيجية واقتصادية واجتماعية أيضا، وظهر الدعم الأميركي والغربي الواضح لنظام الرئيس الأوكراني الجديد يوشينكو المناهض لروسيا والداعي لانضمام أوكرانيا لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، كما وقعت ثورة ملونة أخرى مدعومة من واشنطن في جمهورية مولدافيا.
لقد استوعبت روسيا دروس الثورات الملونة في الفناء السوفييتي جيدا، وتنبهت في الوقت المناسب للعبث الدائر في وسط أسيا وشمال القوقاز وساعدها على ذلك أن الثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا وغيرهما لم تأت بالخير لشعوب هذه الجمهوريات بل زادت من مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية.
خاصة وأن هذه الجمهوريات مثلها مثل غيرها من جيران روسيا تعتمد اعتمادا كبيرا على مصادر الطاقة الروسية من النفط والغاز، كما تعتمد في تجارتها على السوق الروسية التي ليس لها بديل غيرها والتي تستقبل أكثر من سبعين في المائة من تجارة جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
لم يكتف الرئيس الروسي بوتين بعامل الجذب الاقتصادي للجمهوريات المجاورة بل ذهب أبعد من ذلك يدعم ربط هذه الجمهوريات بروسيا من خلال منظمات جديدة وفعالة تتأسس بموجب اتفاقيات بين هذه الدول تشمل كافة مجالات التعاون المشترك بالشكل الذي يضمن لروسيا بإمكانياتها الاقتصادية والعسكرية والصناعية والعلمية والسياسية أيضا دور الريادة في منطقة الاتحاد السوفييتي السابق، ومن هذه المنظمات الفعالة.
والتي باتت تشكل قلقا خاصا لدى واشنطن «منظمة شنغهاي للتعاون»، والتي تضم روسيا والصين وكازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزيا، والتي انعقدت قمتها الخيرة في منتصف يونيو في بكين، هذه المنظمة التي اتخذت في قمتها التي انعقدت في العاصمة الكازاخية أستانة في يوليو 2005 قرارا جريئا بطرد القواعد العسكرية الأميركية من أراضي البلدان أعضائها.
إن موسكو في عهد بوتين تتحرك بخطوات واثقة في الفناء السوفييتي مستوعبة جيدا دروس الماضي السوفييتي وفشل الأيديولوجيات في جمع الشعوب، ودروس الحاضر التي تفرض مبادئ المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة واحترام سيادة الدول وثقافات الشعوب.
جامعة سيبيريا
