قد تأتي بعض المنعطفات الهامة في حياة الشعوب متأخرة بعض الوقت ولكنها رغم ذلك تبقى إستثنائية في أهميتها لأنها توقف المزيد من التداعيات في حياة هذه الشعوب، وقد يكون تأخرها أحد العوامل الهامة في نجاحها بعد أن يكون الفرقاء قد ذاقوا الأمرين من مرارة الإحتراب والتشرذم.
لا يسع من يهمه مصلحة العراق و مستقبله إلا أن يرحب بمبادرة المصالحة الوطنية التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي في جلسة مجلس النواب في الخامس والعشرين من يونيو الجاري.
فهي خطوة جريئة وهامة جداً تعيد للعراق، في حالة نجاحها، استقراره وعافيته وتمنح أبناءه أملاً في المستقبل وترسم على شفاه أطفاله بسمة أضاعتها قسوة الحياة تحت ظلال العنف والموت وفقدان الأمن الذي كلفها الكثير جداً من الخسائر في الأرواح وفي الأموال.
تضمنت المبادرة، التي تقع في أربع وعشرين نقطة، مقدمة قصيرة حول موجبات طرحها، وتضمنت أيضاً الآليات التي ستعتمد في التنفيذ وكذلك المبادئ والسياسات التي ينبغي الأخذ بها.
وقد نصت الآليات على إشراك مختلف شرائح الشعب التي تشمل رجال الدين ووجوه العشائر والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني في الحوار الوطني حول محاور المبادرة، وهي آليات هامة تُكسب المبادرة المطروحة بعداً شعبياً يُسهم في إغنائها و إنجاحها.
أما المباديء و السياسات فقد ضمت حزمة من التوجهات الواقعية التي لا تتعارض مع الدستور من جهة، ويمكن تطبيقها على أرض الواقع من جهة أخرى، وإن احتوى بعضها على إلتباس في الصياغة مما يجعله قابلا للتأويل بطرائق شتى.
وقد سارعت سبع فصائل مسلحة متمردة على الوضع الحالي في الإعلان عن تجاوبها مع هذه المبادرة واستعدادها لإيقاف أعمال العنف معربة عن رغبتها بالإنخراط في العملية السياسية السلمية وفق أسس المشروع الذي طرحته المبادرة.
وقد حظيت هذه المبادرة بتأييد ومباركة معظم القوى السياسية الممثلة في المجلس النيابي العراقي الذي شهد مداولات بشأنها في سابقة غير مألوفة في العراق وربما في معظم دول منطقة الشرق الأوسط.
كما أصبحت هذه المبادرة القضية الأولى التي تشغل إهتمام الشارع العراقي الذي توزع، ليس بين متفائل ومتشائم بشأنها، وإنما بدرجات متفاوتة من التفاؤل.
لقد تقبل العراقيون هذه المبادرة بشكل إيجابي ملفت للنظر، ففي إستطلاع للرأي العام أجرته صحيفة الصباح اليومية التي تصدر في بغداد، في إحدى المحافظات (محافظة كربلاء)، تبين بأن ما يزيد على التسعين بالمئة ممن إشترك في الإستطلاع هم مع هذه المبادرة من حيث المبدأ رغم إن هنالك بعض الخلافات حول مع من تجرى المصالحة الوطنية.
ويمكن اعتبار هذه المبادرة أكثر أهمية من أية مبادرة سبقتها أو في طور التحضير لها، و ذلك لأنها أتت من أهل البلد أنفسهم، الذين هم أعرف من غيرهم بمدى عمق جروحهم الغائرة و أدرى بالبلسم الشافي لها حتى لو كان مراً.
فكلنا يتذكر مؤتمر المصالحة الوطنية للفرقاء العراقيين الذي رعته الجامعة العربية في القاهرة في نوفمبر الماضي الذي خرج منه هؤلاء الفرقاء وهم يتصافحون ويحتضن بعضهم بعضاً وعادوا إلى خنادقهم في بغداد ليكيلوا التهم لبعضهم البعض و كأن ما جرى في القاهرة لم يتعد حضور حفل إجتماعي تتطلب بروتوكولاته تبادل القبلات وكلمات الترحيب ليس غير، وهذا في الحقيقة واقع لا بد من الإعتراف به إذ لم تكن هنالك ورقة عمل مطروحة للمناقشة في ذلك المؤتمر.
وتقوم الجامعة العربية، في الوقت الراهن، بوضع اللمسات الأخيرة على مؤتمر المصالحة الثاني الذي سيعقد في أغسطس القادم في بغداد، والذي نتوقع له حظاً أكبر في النجاح مقارنة بمؤتمر نوفمبر الماضي، خاصة بعد أن ترجمت الحكومة العراقية أفكار المصالحة إلى خطوات عملية وواقعية واضحة.
وفي الوقت الذي عبر فيه رئيس الوزراء العراقي عن شجاعته وواقعيته في طرح هذه المبادرة وعرض صدره لسهام أبرز حلفائه وأكثرهم نفوذاً في كتلة الإئتلاف العراقي الموحد، تبقى مسؤولية إنجاحها أصعب من مهمة طرحها، وهي مسؤولية تقع على عاتق الجميع، سواء كانوا منتظمين في أحزاب أو منظمات سياسية أو إجتماعية أو أفراد مستقلين، فمعيار الوطنية في الوقت الحاضر هو وقف العنف وحقن الدماء والتفكير العقلاني بمآل الوطن الذي أوشك أهله على خسارته.
إن وضع هذه المبادرة موضع التنفيذ ليس بالأمر السهل في ظل الظروف التي يمر بها العراق، فذلك يتطلب تحجيماً للقوى المتضررة منها، وهي قوى ليست هينة، ويتطلب كذلك حرية وسيادة كاملة في صناعة القرار، خاصة فيما يتعلق بالملف الأمني، وهو حسب ما يعرف الجميع، لا يزال بيد القوات الأميركية ، مما يجعل اليد العراقية مشلولة بعض الشيء في تنفيذ بعض أهم الفقرات التي وردت في هذه المبادرة.
ولا يخفى على من يتابع الأوضاع في العراق بأن المرحلة التي أعقبت إحتلاله في عام 2003 قد شهدت ميلاد الميليشيات التي من مصلحة قياداتها عرقلة تنفيذ هذه المبادرة والعمل على إبقاء الأوضاع الإستثنائية التي يمر بها البلد على حالها، فهي تسهم في إدامة نفوذها وتسهم في الوقت نفسه في زيادة ثرواتها وأرباحها في ظل سيادة أجواء الفساد المالي والإداري التي إستشرت في البلد بسبب ضعف كيان الدولة.
كما إن من مصلحة بعض القوى الإقليمية عرقلة هذه المبادرة، وإيصال العراق إلى أقصى درجات الضعف والتفكك فذلك يخدم أهدافها، فقد شهدت الساحة العراقية خلال السنوات الثلاث الماضية نشاطاً كثيفاً لأجهزة مخابرات أجنبية وجدت في الفوضى السائدة وفي ضعف يد الحكومة غطاءً لتنفيذ مخططاتها التي لمسنا البعض منها وهو ما يتعلق بتفريغ البلد من العناصر الكفوؤة حيث شهدت الساحة العراقية تصفيات جسدية لمئات الكفاءات من المدنيين والعسكريين ومن كافة أطياف الشعب العراقي.
أما الأطراف المستفيدة من نجاح هذه المبادرة بالدرجة الأولى فهو الشعب العراقي، المنتسب منه إلى العملية السياسية أو المتمرد عليها، فهي الطريق الأوحد لعودة العراق إلى عافيته وعودة العراقيين إلى وحدتهم. كما تستفيد من ذلك الإدارة الأميركية التي تجد فيها وسيلة لتخفيف خسائر قواتها وطمأنة الرأي العام الأميركي على قرب عودة القوات الأميركية إلى بلادها.
على الرغم من التصريحات التي أدلى بها بعض العسكريين الأميركان والتي أعربوا من خلالها عن تحفظهم على بعض بنود المبادرة التي تقضي بالعفو وإطلاق سراح من رفع السلاح بوجه القوات الأميركية.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae
