في منتصف شهر يونيو شهدت مدينة شنغهاي الصينية مؤتمراً لم يلق ما يستحقه وقتها من الاهتمام المطلوب والمتابعة لا في دوائر الإعلام ولا في دوائر السياسة. ربما كانت هذه الدوائر ـ الإعلامية بالذات ـ مشغولة أكثر بمتابعة مباريات كأس العالم ـ وربما كان القوم مشغولين أيضاً بمتابعة التطورات الدامية في منطقة الشرق الأوسط ما بين وقائع العدوان الإسرائيلي على المدنيين الفلسطينيين، وما بين وقائع المسرح العراقي وما يرتبط بها من مناقشات حامية ظلت تدور أياماً في قاعات الكونغرس الأميركي بين ممثلي الحزبين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض وكان مطروحاً بالذات قضية انسحاب أو لا انسحاب القوات الأميركية من بلاد الرافدين.

والغريب أيضاً أن اجتماع شنغهاي لم يكن مستجداً ولا طارئاً على أجندة السياسة الدولية: فمع مطالع القرن الجديد ـ منذ 5 سنوات على وجه التحديد ـ ظهرت إلى الوجود مؤسسة أو منظومة إقليمية وليدة جديدة حملت الاسم التالي: «منظمة تعاون شنغهاي»، والأغرب كذلك أن القائمين على أمر هذه المنظمة يعترفون بأنهم لم يوفقوا بعد للعثور على الاسم أو الشعار المناسب لتلك المؤسسة الإقليمية التي ظلت تعقد اجتماعاتها السنوية عبر تلك الأعوام الخمسة دون أن تنال ما تستحقه من متابعة واهتمام،

حتى جاء اجتماعها الأخير الذي ألمحنا إليه في 15 يونيو ليؤكد قدرتها على الاستمرار من ناحية، وضرورة أن تحوز مزيداً من اهتمام المحللين والمراقبين السياسيين من ناحية أخرى.كيف لا ومجموعة شنغهاي تضم اثنين من أهم الدول ـ القوى الكبرى المؤثرة استراتيجياً في مصير آسيا وفي مستقبل العالم وهما: روسيا والصين، ومع هذين القطبين تضم منظومة شنغهاي 4 دول أخرى هي: أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان وكازخستان.

أما العامل المهم الذي نتصور أنه يدخل بالضرورة في إطار اهتمامنا بمنطقة الشرق الأوسط فهو حضور إيران دورة هذا العام في شنغهاي وسط أنباء ومعلومات عن تطلع طهران إلى الانضمام لمنظومة التعاون الآسيوية ـ الروسية المذكورة، بكل ما يرتبط بذلك وما يستدعيه بالضرورة من محورية الشأن الإيراني فوق خارطة التفاعلات السياسية الدولية الراهنة سواء بحكم ارتفاع أسعار النفط أو بحكم التوتر الصراعي السافر أحياناً والمستور أحياناً بين طهران والولايات المتحدة.

وبقدر ما تابع العالم. وجود شخصية مهمة ومؤثرة في شنغهاي في حجم الرئيس الروسي بوتين، فقد توقف العالم كذلك عند الخطاب الذي ألقاه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في اجتماع شنغهاي يوم 16 يونيو وألمح فيه إلى أن بلاده «تنظر بجدية في أمر اقتراح دولي يرمي إلى حل النزاع المحتدم حول برنامجها لتخصيب اليورانيوم».

وفي هذا يكتب الصحافي هوارد فنش (نيويورك تايمز، 17/6) تحت عنوان لا تخفى فيه نبرة تفاؤل يقول: «رئيس إيران يلمح إلى الأمل في نزع فتيل الأزمة النووية».ولا يفوت الكاتب الأميركي أيضاً أن يؤكد في نفس هذا الموضوع الذي كتبه ميدانياً من شنغهاي أن منظمة تعاون شنغهاي تمثل محفلاً أو منبراً أو منتدى دولياً جديداً وطموحاً.. الأمر الذي يدفع إيران إلى السعي لكي تحقق لنفسها مكاناً أو مكانة بين صفوفه.

يلفت النظر أيضاً في هذا السياق أن منظمة تعاون شنغهاي جاءت كنوع من الإضافة (وربما نوع من الحذف بمعنى الازدواج المعتمد) إلى المؤسسة الإقليمية السياسية، العتيدة في المنطقة وهي منظمة «الآسيان» التي تحتفل في سنة 2007 بذكرى إنشائها الأربعين وتعرف في اسمها الكامل بأنها منظمة أمم جنوب شرقي آسيا وتضم كلاً من بروناي ـ دار السلام وميانمار (بورما) وإندونيسيا ولاوس وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وفيتنام.

ورغم أن العلاقات بين هذه الدول وبين الصين تتسم بصورة أو بأخرى بحسن الجوار.. إلا أن الدولة الآسيوية الكبيرة تعد الآن في حال من البحث عن دور أوسع مدى وأشد طموحاً وأكثر قيادية في إدارة شؤون إقليمها بل وربما في إدارة العالم. لقد راحت بالطبع أيام الزعامة الماركسية العقائدية والشعارات الإيديولوجية الشيوعية وأصبح من واجب زعامات بكين التماس القيادة أو التوسع في مجالات التنمية والتكنولوجيا والتنافس على أسواق الصادرات والاستهلاك من ناحية بقدر الحرص على أسواق الواردات من الطاقة النفطية اللازمة لهذا التوسع الصيني الحاصل والمرتقب من ناحية أخرى.

وربما استبد الحماس ببعض قيادات الصين إلى حد أن أعلنوا في أوائل التسعينات، وعلى حد ما تذهب إليه دراسة أميركية منشورة مؤخراً، أنهم أصدروا قانونا جديداً يعتبر بحر الصين الجنوبي منطقة سيادية خالصة لحساب الصين (دان بلو منتال مدير مركز دراسات الصين وجارتها في وزارة الدفاع الأميركية مجلة شؤون الأمن الدولي، عدد ربيع 2006).

فإذا تطرقنا إلى القطب الكبير الثاني في منظومة شنغهاي وهو روسيا ـ بوتين لوجدنا أن ثمة اتجاها قديما وجديدا في آن معا بات يسود السياسة الدولية والإقليمية للكرملين الروسي: إنه الاتجاه نحو آسيا، وبالتحديد وسط آسيا وجنوبها، وموسكو لا تستطيع التخلي عن فكرة التعاطي الحيوي والمتواصل مع آسيا الوسطى حيث الجمهوريات الآسيوية الإسلامية (السوفييتية سابقا) فالروابط تاريخية وبعضها يرجع إلى عهود القياصرة في بطرسبورغ وعصور الخانات حكام الأصقاع الآسيوية في قلب القارة المترامية الأطراف، ومنها ما يعود بالطبع إلى الحقبة السوفييتية التي دامت 70 عاماً،

ومنها ما يتعلق بالضرورة بالمصالح الاقتصادية لكلا الطرفين وقد نختصرها في حدود مساحتنا إلى مقولة إن من أقطار وسط آسيا من يملك الموارد الخام وفي مقدمتها طبعا البترول، ومنها ما تمتد في أراضيه شبكات الأنابيب الناقلة للسلعة الاستراتيجية من منابع الإنتاج إلى منافذ التصدير، ومنها ما زال يحوز منشآت حيوية للبحث العلمي والتطوير وللتكنولوجيا والتصنيع موروثة عن المرحلة السوفييتية.

من أجل هذا كله يصدق على الظاهرة السياسية الروسية الحالية مقولة محدثة تلخصها العبارة التالية: «روسيا تتجه شرقا»، وفي مقابلها عبارة مضاهية تقول بالتحديد: «روسيا تغادر الغرب»، والعبارة الأخيرة بالذات هي عنوان الدراسة المهمة التي تنشرها مجلة الشؤون الخارجية الأميركية (فورين أفيرز) في عددها الجديد الذي يصدر مع مطلع يوليو المقبل.

صاحب هذه الدراسة هو باحث مرموق في الشؤون الروسية اسمه «ديمتري ترتنين» ويعمل نائباً لمدير مركز كارنيجي في موسكو وهو يرصد التغيرات التي اعترت الموقف بين روسيا والغرب حيث ما برح الاتحاد الأوروبي ومن ثم نفوذ المحالفة عبر الأطلسية كما أصبح يعرف في الأدبيات السياسية الراهنة ـ يزحف من غرب أوروبا إلى وسطها ومن ثم إلى الشرق الأوروبي وجمهوريات البلطيق إلى حد يكاد يتلامس عبر بولندا مع حدود روسيا،

وكان طبيعيا ان تستعيد موسكو دفاترها القديمة ومن ثم توجه الكثير من قواها إلى حيث توطيد أواصر العلاقات مع دول وشعوب وسط وجنوب وشرق آسيا، فما بالك بمحالفة أو شبه محالفة مع الصين بكل مستقبلها الواعد في موازين القوة ومقادير التأثير والنفوذ فوق خريطة العالم. مع ذلك فالدراسة المنشورة في «فورين أفيرز» لا تلبث ترصد بقدر لا يخفى من الإعجاب أو فلنقل التحاسد أن يجمع بين التعاطي مع الغرب ولو ضمن الحدود المتاحة وبين تنامي التفاعل مع الشرق الآسيوي ـ

وهو الأمر الكفيل أولا بتجسيد الدور الفاعل والمكانة المؤثرة لروسيا، والكفيل ثانيا بتجسيد وربما تحييد المنافس الصيني، والكفيل ثالثا بتهيئة الأرضية أمام كرملين ـ بوتين وربما خلفاؤه كي تشرع روسيا في الاضطلاع بدور أكبر على صعيد السياسة العالمية بفعل ما قد يعود عليها من إمكانات اقتصادية ومكانة سياسية من هذه التحالفات الآسيوية.

وقد يستدعي اهتمامنا في هذا السياق أن منظمة شنغهاي تحرص على شق طريقها بعيدا عن الأضواء المبهرة.. وبميزانية إدارية لا تزيد على 30 مليون دولار وعدد قليل نسبيا من الموظفين المتفرغين، وربما يكون نموذجها في هذا المقام هو التجربة الأوروبية التي بدأت بإعلان العزم على التوحيد في الخمسينات،

وتطورت إلى السوق ومن ثم الجماعة الأوروبية في السبعينات إلى أن أعلن الاتحاد الأوروبي بجلالة قدره في التسعينات، والمعنى هنا هو سلامة نواة البداية، والخطوات الوئيدة والعمل الدؤوب وارتفاع طبقات البناء التعاوني ومن ثم الوحدوي راسخاً فوق أرض الواقع ومستجيبا إلى موضوعية المصالح المشروعة، وبعيداً عن البلاغيات والشعارات.

كاتب مصري