من الناحية النظرية يفترض أن يمثل الحائزون على جائزة نوبل ضمير الإنسانية بكل ما تختزنه من تراث ومن مشاعر راكمتها التجارب المرة عبر التاريخ، لكن التوقعات شيء والواقع شيء آخر.

فقد أثبت الأسبوع الماضي أن حائزي نوبل لا يختلفون في كثير أو قليل عن عامة الناس، لهم تحيزاتهم وأحقادهم ورؤاهم التي تتسم بضيق الأفق بما لا يتناسب مع صيت الجائزة وعظمتها.

ستة وعشرون ممن يحملون الجائزة اجتمعوا في البتراء، على مرمى حجر من ساقية الدم التي تدور بلا رحمة منذ ثمانية وخمسين عاما، كان أولى بهم أن يعرفوا واقع الصراع العربي الإسرائيلي إذا كان هدفهم المحدد مسبقا أن يصدروا فتوى بشأنه.

وأن يبعثوا من بينهم خمسة أو ستة ليزوروا مخيمات اللاجئين في غزة والضفة والمدن المحاصرة والقرى التي ابتلع أرضها الجدار العازل ليستمعوا إلى شهادات حية، يقابلون الضحايا على الجانب الفلسطيني ومن يتصورون أنهم ضحايا على الجانب الآخر.

غير أن بريق المجد والشهرة التي حصدوها بنيل الجائزة يبدو أنها أصابتهم بالغرور، ليس هذا فحسب بل نزعت نور أبصارهم وبصائرهم، فتصوروا أطفال فلسطين العزل (إلا من اليقين) خطرا داهما يستحق أن تحتشد أعظم عقول العالم لمواجهته !!

اعتبر هؤلاء العباقرة أن العمليات الاستشهادية الفلسطينية تمثل جريمة ضد الإنسانية. وبالطبع لن يدخل عاقل أو صاحب ضمير إنساني يقظ في جدال مع هؤلاء، إذ أن الصمت تجاه افتراء كهذا هو أنبل ما يمكن فعله، لكن من المشروع أن نسأل من هؤلاء الذين حملوا الضحية إثم قاتلها، ومن هو ايلي ويزل هذا الذي خطط للمؤتمر وأدار جلساته وحول جلسة حوار مع أبو مازن (ممثل الشعب الذي طحنت أحلامه القوى الدولية الغاشمة) إلى بكائية يهودية من طراز رفيع.

في ملف ايلي ويزل أوراق كثيرة غير أن أهمها يتمثل في الآتي:

ـ أنه روائي أميركي من أصول رومانية، كان أحد الناجين من المحرقة النازية، والانجاز الروائي الذي حققه في حياته هو أنه أوجد حالة من التماهي بين اضطهاد المسيح عليه السلام وبين (العذابات ) التي تعرض لها اليهود على امتداد التاريخ، ولأنه يكتب لشعب جاهل لا يقرأ.

فقد قفز على حقيقة أن اليهود هم الذين عادوا المسيح وخانوه وسفهوه وأثاروا ضده حفيظة الرومان حتى أنهم قرروا صلبه وقتله (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وبكتاباته كان واحدا ممن أسهموا في دفع تيار المسيحية الصهيونية إلى الواجهة في الولايات المتحدة.

ـ الأمر الثاني: أن ويزل هذا واحد من أكبر المحرضين على التدخل الأميركي في العالم العربي وحسم أي نزاع بالقوة الأميركية العاتية فقد حرض على التدخل في دار فور، ومن قبلها حرض ضد العراق ويقول الكاتب الأميركي نورمان فينكيلستاين في كتابه (ما وراء الجرأة:

حول سوء استخدام اللاسامية وإساءة معاملة التاريخ) أن ويزل أخبر رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش في 27 فبراير 2003 أن العراق دولة إرهابية ومن ثم فإن هناك سببا أخلاقيا لغزوها، وإسقاط نظامها..

وليضخم من خطر صدام حسين والعراق أضاف قائلا : لو أن الغرب كان قد تدخل في أوروبا في سنة 1938 لأمكن منع حدوث الحرب العالمية الثانية والمحرقة. وفي وقت لاحق علق بوش على عبارات ويزل بالقول: « لقد كانت هذه لحظة تعني الكثير لي.. كانت لحظة تأكيد على صوابية قرار الحرب عندي».

ـ الأمر الثالث: أن ويزل كان واحدا من أفراد قلائل دفعوا بوش باتجاه عقد مؤتمر خاص في برلين في ابريل 2004 يقوم بالتركيز على معاداة الساميّة الجديدة. ثم كان هو نفسه واحدا من المتحدثين في المؤتمر، ونقل عنه قوله : «إن مدنا كثيرة في العالم أصيبت بوباء معاداة السامية، وانه ما من أحد يدافع عن ضحايا الإرهاب إلا ويتهم بأنه معاد للعرب».

ـ رابعا أن ويزل من طائفة المورمون.. وكتاباته السياسية الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي أكثر تطرفا من كل الذين نعرفهم بمن فيهم دانيال بايبيس، إلى درجة تستفز حتى الإسرائيليين أنفسهم، فقد نشر في 25 يناير 2001 مقالا في نيويورك تايمز بعنوان (القدس في قلبي) رد عليه الكاتب الإسرائيلي إسرائيل شامير بمقال في صحيفة فيستي يقول فيه:

( يا إيلي من شقتك الواسعة في نيويورك بإمكانك كتابة أي شيء وما تشاء عن القدس.. لكن أورشليم التي تذكرها في مقالك ليست التي نعرفها اليوم ولم تكن يوماً كما تتصورها أنت...أنت تحب تلك المدينة وتفكر فيها لكن ذلك لا يعطيك الحق لقتل أطفالها وتدمير حدائقها الوردية ووضع أقدامك فوق مائدتها. شعوب كثيرة أحبت أورشليم لكن ليس بطريقتك يا إيلي ويزل وبشكل يعاكس ما تقول إنه صراع بين الإسلام واليهود..

هناك ملايين البروتستانت الذين يقدسون «حدائق الجلجلة» دون أن يفكروا بنقلها إلى أوطانهم الأم.. إيلي أنت بالتأكيد لا تريد خسارة منزلك الجميل في نيويورك من أجل بضعة أسطر وردت في كتاب «المرمون» مع العلم أنك قد لا تعرف أنه ولا مرة واحدة ورد اسم أورشليم في التوراة).. هل تريدون المزيد عن الرجل الذي جمع 26 من حائزي نوبل ليفتي بأن العمليات الاستشهادية جريمة ضد الإنسانية ؟ أم أن هذا يكفي؟

magdishendi@hotmail.com