دراسة الظواهر الاجتماعية وطرح الفرضيات حولها وإخضاع الفرضيات لمنهج البحث العلمي والوصول من خلالها إلى مخرجات تقييم تنبني عليها سلسلة من الدراسات التي تبحث في الحلول وأساليب المعالجات، كلها تعتمد على الإحصاء وعلى القياس بالاستبيان والمسوحات الميدانية. فهذه الأخيرة صارت اليوم أدق ترمومتر تقاس به وتنقب بواسطة الظواهر.
والفرق بين العالم الأول والعالم الثالث هو أن الأول لا يتغافل النتائج المستخرجة من عمليات القياس والبحث مهما تماهت في الصغر وفي التأثير، تحول فورا إلى مختبرات البحث ويتسابق إليها الخبراء والعلماء كل من نافذة أو باب تخصصه، وبذلك فإننا نقول عنهم دائما بخبرتنا المعهودة «شياطين يعرفون كل شي وما خلو شي».
أما محصلة الإحصائيات أو ما يظهر من حقائق بحثية لمئات، بل آلاف من الدراسات في أجواء العالم الثالث تضيع مخرجاتها ومحصلاتها هكذا «هباء منثوراً»، بأعذار أو بدون أعذار، بقصد أو عن دون قصد، فهي في النهاية ورق حالها حال الورق الذي يلف به الباعة الجوالة بضائعهم التي يبيعونها..
وكم من خبير «عالمثالثي» عاد بعد نهاية أبحاثه بشعر أبيض أشعث يدق جمجمته على أقرب جدار حسرة وندماً على حقائقه التي اكتشفها ولا يصدقها أحد غيره.
معلومة صغيرة وسط كم هائل من المعلومات أوردها تقرير عن نتائج مسح ميداني طبقته وزارة الصحة على طلاب مدارسنا لاستقراء الأوضاع الصحية التي يعيش في أجوائها الطلبة..
والمعلومة الصغيرة جاءت وسط كم من المعلومات تقصاها الاستبيان، لكنها الأخطر والأولى تقول المعلومة «الكارثية»، «أن 13 في المئة من عينة الفحص المستطلعة آراؤهم من طلبتنا اعترفوا بأنهم فكروا جدياً في الانتحار خلال الأشهر الاثني عشر الماضية وان من بين هذه النسبة ما نسبته9,8 في المئة قد وضعوا خططاً للانتحار».
وهذا يعني أن مجتمعاً مثل مجتمعنا لم تعرف مطلقا ثقافته حضورا للانتحار كوسيلة، أو كبديل للخلاص قد بدأ يصاب بها وفي قلبه أيضا، بين قطاع المراهقين، في قطاع الشباب، وهذا يعني ما يعني من أمور خطيرة تترتب على هذا الاستنتاج الخطير، كيف؟ ولماذا؟ وما المسبب؟ وأية ظروف فرضت أن ينمو مثل هذا المنطق في نفوس تلاميذ المدارس؟
أسئلة تنهمر كالسيل من جراء تلك المعلومة التي تقلب مجتمعنا فوق تحت بحثا عن جذر الآفة. عندنا وعندهم غير.. هناك لا تمر أدنى التفاصيل.. يا حسرة.