بالرغم من صغر مساحتها الجغرافية إلا أنها من أكثر دول العالم تنافسية، وهي الدولة التي تتصدر مؤشر التنمية البشرية حسب تصنيف الأمم المتحدة.

وبالرغم من قلة عدد سكانها الذين لا يتجاوزون أربعة ملايين ونصف المليون شخص إلا أن أول قانون لإنشاء مدرسة فيها أصدر عام 1739 والذي نص على أن الوالدين مسؤولان عن تعليم أبنائهما سواء في المنزل أو في المدرسة، وذلك لترامي المدن والقرى في مختلف أطراف الدولة مما يعيق بناء مدارس في كل منطقة.

في النرويج يعتبر التعليم وتطوير الأجيال من أولويات البرلمان والحكومة، وهو أمر ليس بغريب بالنسبة للدول الاسكندنافية ودول الشمال التي تصنف على أنها أكثر الدول تنافسية في العالم. فمن فنلندا خرجت «نوكيا» ومن السويد خرجت «إيكيا» ومن الدنمارك خرجت «ميرسك» أكبر شركة للنقل البحري في العالم. وفي النرويج تؤمن الحكومة بأن التعليم حق للجميع.

ولذلك فجميع مراحله مجانية، أما لغير المواطنين والأقليات فإن الحكومة تقدم لهم معونات مالية وقروضاً بنكية لتعليم أبنائهم في الجامعات وبالتالي إخراطهم في المجتمع وتعلم لغته وثقافته، ولضمان تقبل المجتمع لهم يتم التدريس لجميع الطلبة في المدارس عن أهمية تنوع الثقافات وتعددها لإيجاد مزيج متناسق وإن لم يكن متشابها في المجتمع الواحد.

أما الأطفال في النرويج فإن لهم رعاية خاصة، فهناك وزارة لشؤون الأطفال والعائلة وهي التي تشرف على مراكز رعاية الأطفال والتي تسمى «day-care» التي تنتشر في طول البلاد وعرضها والتي تقدم خدماتها مجاناً للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنة وخمس سنوات.

ويمنع أخذ الأطفال الذين يصغرون عن ذلك لأن القانون يعطي الأم الحق في الحصول على «إجازة وضع» مدتها عشرة أشهر بعد الولادة مع راتب كامل، حتى تتفرغ الأم لرعاية طفلها في هذه المرحلة المهمة من حياته.

تقسم المراحل الدراسية الإلزامية التي تمتد إلى عشر سنوات ويبدأها الطالب وعمره ست سنوات إلى ثلاث مراحل هي الابتدائية الدنيا والابتدائية العليا والثانوية الدنيا، ثم تأتي المرحلة الاختيارية وهي الثانوية العليا أو الدبلوم لمدة ثلاث سنوات ثم تأتي المرحلة الجامعية، وبذلك يدرس الطالب في النرويج ما يقارب سبعة عشر عاماً.

وتشجع الحكومة الطلبة لدراسة الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، كما يدرس الطالب في إحدى المراحل الدراسية «اقتصاد منزلي» يتعلم من خلاله كيفية إدارة الموارد المنزلية ودخل الأسرة، ومؤخراً تم إدخال منهج «التجارة الحرة أو entrepreneurship» لتدرس في جميع المراحل الدراسية بدءاً بالابتدائية الدنيا وحتى الجامعة.

في عام 2003 قامت وزارة التعليم والبحث ووزارة التجارة ووزارة الحكومات المحلية بوضع خطة استراتيجية مشتركة لتدريس التجارة الحرة في مدارس وجامعات النرويج تمتد فترتها الزمنية بين عامي 2004 و2008.

وتم وضع إطار عمل لكل مرحلة دراسية يهدف إلى إكساب الطالب مهارات وخبرات معينة في مجال التجارة الحرة وبيئة الأعمال تتناسب مع مرحلته العمرية، فقامت الحكومة بوضع المنهج الدراسي وأعطت المدارس والمدرسين حرية تصميم المادة واختيار الأساليب التي تناسبهم لإيصالها إلى الطلبة.

في المرحلتين الابتدائية الدنيا والعليا يتم تدريب الطالب على أساسيات النجاح في الحياة والاعتماد على الذات حيث يتعلم الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية واستخدام مبدأ التجربة والخطأ في الأوقات الصحيحة وعدم اعتماده كمبدأ في الحياة.

ثم يدرس الطالب مفهوم إدارة المصادر وكيفية استغلالها بالطرق المثلى وأخيراً يعطى مفاهيم أساسية في المالية وعلاقاتها بإدارة المصادر، ثم تتوج هذه المرحلة بأن تعطى كل مجموعة من الطلبة مهمة إنشاء وإدارة مشروع وهمي ليطبقوا جميع ما تعلموه في هذه المرحلة.

وفي المرحلة الثانوية الدنيا يتم التركيز على إكساب الطالب مهارات تنمية وتطوير الأفكار، وطرق حل المشكلات وآليات اتخاذ القرار وبناء العلاقات التجارية داخل المجتمع، كما يتم تعليمه كيف يفهم ويتحمل تبعات القرارات التي يتخذها وكيف يتصرف تجاه عواقبها إن كانت غير مرضية.

أما مرحلة الثانوية العليا فمنها يبدأ التجهيز لخوض غمار الحياة التجارية، فإلى جانب تعليم الطالب نظريات ومفاهيم تأسيس الشركات التجارية وإطلاعه على بعض النماذج العالمية، وبالإضافة إلى تعليمه أخلاقيات المهنة والتفكير الإبداعي، يمر الطالب عبر برنامج اسمه «مؤسسة الشباب» .

وهو برنامج محاكاة تستخدمه مجموعات الطلبة على مدار العام، يتم من خلاله تأسيس شركات تجارية وهمية وإدارة مواردها تماماً كما هو الحال في الشركات الحقيقة، وخلال العام تتنافس المجموعات على الحصول على أعلى نسبة من حصة السوق وزيادة الأرباح وغير ذلك من عوامل النجاح في الأسواق الحقيقية، ويتم كل ذلك بمساعدة مدرسين تم تدريبهم خصيصاً لهذا البرنامج في القطاع الخاص .

بالإضافة إلى وجود «مرشد» من إحدى شركات القطاع الخاص ترجع إليه كل مجموعة عند الحاجة، وفي نهاية العام الدراسي يتم إعلان النتائج في احتفال يحضره الجميع لتتويج المجموعات الفائزة.

أما المرحلة الجامعية فهي الأقرب محاكاة إلى الواقع، بل قد تكون واقعاً في حد ذاتها، فهنا يستخدم الطلبة برنامج محاكاة أكثر تطورا عن برنامج الثانوية .

ويسمى «مؤسسة الطلاب» وهو برنامج يتم تصميمه من قبل الجامعة وشركات من القطاع الخاص، ومع بداية كل عام دراسي تطلق كل مجموعة من الطلبة مؤسسة تجارية ويستخدمون في سبيل إنجاحها كل ما تعلموه في مراحلهم الدراسية السابقة مع التركيز في هذه المرحلة على الإبداع في المشاريع.

وتتم عملية التنافس تحت إشراف «مرشدين» أيضاً من القطاع الخاص لتوجيه الطلبة ومساعدتهم، وفي نهاية العام الدراسي تقوم إحدى الشركات الراعية للبرنامج بتمويل الفريق الفائز وإنشاء شركة «حقيقية» يديرها نفس الطلبة الذين أسسوها في بداية العام.

ولإنجاح هذه التجربة اهتمت الحكومة بثلاثة مقومات رئيسية أولها التعاون مع القطاع الخاص، حيث قامت بتقديم تسهيلات للشركات الراعية لهذه المبادرة وتم إعطاء هذه الشركات الأولوية في توظيف خريجي هذه البرامج، وبذلك تستطيع الشركات أن توظف أفضل الكفاءات التي اختبرتها على مدى عام كامل أو عدة أعوام.

أما العنصر الثاني وفي رأيي هو الأهم في هذه العملية فهو المعلم، فمن غير وجود كادر تعليمي مستوعب لمفاهيم التجارة الحرة وآليات عمل القطاع الخاص لن يستطيع الطالب أن يحقق أي تقدمِ، فالمعلم هو المرجع الأول للطالب في العملية التعليمية وهو المحفز والموجه له، لذلك تقوم الحكومة بتدريس مادة التجارة الحرة لطلبة الجامعة الراغبين في الالتحاق بسلك التدريس.

كما وفرت لكل معلم فرصة للعمل كمتدرب في إحدى شركات القطاع الخاص التي تشرف على برامج المحاكاة التي ذكرناها آنفاً، والجدير بالذكر أن بعض الشركات الوطنية ذهبت إلى أبعد من ذلك فألحقت المدرسين بالدورات التدريبية التي يحضرها موظفوها لينقلوا ما تعلموه إلى طلبتهم.

وفي كل عام يتم عقد مؤتمر لأفضل التجارب الطلابية تطرح خلالها المشاريع الناجحة، كما تشارك الشركات في هذا المؤتمر لتستعرض تجربتها مع المجموعات الناجحة وتقدم اقتراحات وأفكار للسنة القادمة.

نتيجة لهذه التجارب المشرقة والعملية في النرويج ودول الشمال عموماً، ونتيجة للاهتمام بالتعليم وتطوير الأجيال، لم تستطع اليابان وألمانيا وأميركا أن تتغلب على هذه الدول في مؤشرات التنمية البشرية ونسب الناتج المحلي الإجمالي وغير ذلك من معايير تقدم الدول.

وإن كنا لا نلمس وجوداً لهذه الدول على الساحة السياسية الدولية، إلا أن النرويج على سبيل المثال كانت أكثر دولة قدمت مساعدات إلى المتضررين من كارثة «تسونامي» وذلك بتقسيم مجموع التبرعات على عدد السكان، فالهم الأول لهذه الدول هو تعليم وتطوير الأجيال القادمة للتأكد من أنها ستكون أكثر كفاءة من التي سبقتها وبذلك ينمو المجتمع واقتصاد الدولة على حد سواء. يلخص رئيس وزراء النرويج رؤيته بقوله:

«نحن دولة في أقصى شمال الكرة الأرضية لا يعرف عنا أحد، وسكاننا عددهم قليل جداً أما اقتصادنا فهو قوي جداً، وإذا لم نهتم نحن بشعبنا فلا أحد غيرنا سيفعل ذلك»..

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com