أعلن عبدالعزيز بلخادم رئيس الوزراء الجزائري الجديد ان حكومته بصدد إعداد دستور جديد يصلح لمرحلة ما بعد الأزمة الجزائرية بعدما نجح الدستور الحالي في التعاطي مع الأزمة ذاتها.
والواضح ان كافة التحليلات التي تناولت تشكيل الحكومة الجديدة اكدت ان اولى المهام الموكلة لها هي تعديل الدستور الحالي من اجل ايجاد فرصة امام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة للبقاء لفترة رئاسية ثالثة، وهو الأمر الذي لا يتيحه له الدستور بوضعه الحالي.
وهناك نقطتان جديرتان بالطرح ونحن بصدد الحديث عن هذه الحكومة الجزائرية، الأولى تتعلق بأسباب اختيار عبدالعزيز بلخادم لرئاستها. اما الثانية فتتعلق بحقيقة طرحه حول دستور ما بعد الأزمة وهل الجزائر بالفعل في مرحلة تاريخية تتجاوز فيها أزمتها أم أن هناك ظروفا متاحة لإعادة انتاج الأزمة مرة أخرى.
والحاصل أن الرئيس عندما اختار بلخادم لكي يتولى منصب رئيس الحكومة، كان يضع في اعتباره أنه يؤمن شعبية للقرارات التي سوف تصدرها الحكومة وعلى رأسها ما يتعلق بتعديل الدستور، فمن جهة فإن الحزب الذي يرأسه وهو جبهة التحرير الوطنية بالجزائر، يحتل أغلبية مقاعد البرلمان والمجالس البلدية.
وهو مازال يحتل قلب النظام السياسي بتياراته المختلفة وهو ما يطلق عليه التيار الوطني الذي يمثل الوسط في مقابل التيار العلماني اليساري والتيار الديني الإسلامي اليميني .
والرئيس يدرك ان هذا التيار، اي التيار الوطني، مازال هو الأكثر شعبية وذلك ما دلت عليه كافة الاستحقاقات الانتخابية التي أجريت في السنوات الخمس الأخيرة .
حيث فاز بها بأغلبية كاسحة، وهذا الأمر يعني ان تبنيه لأي خطوات إصلاحية أو تعديلات دستورية سوف تحظى بموافقة البرلمان من جهة وبدعم شعبي لايستهان به من جهة ثانية.
يضاف إلى ذلك كله ان بلخادم هو الذي قاد للرئيس منذ ثلاث سنوات عملية تدجين جبهة التحرير الوطني عندما كان يسيطر عليها تيار استقلالي ونجحت جهود بلخادم اولا في تهميش هذا التيار ثم عزلة وتحويل الجبهة إلى ملحق بالدولة. وهذا الأمر يعني ان ثقة الرئيس في بلخادم وزير خارجيته السابق هي ثقة عمياء.
وعلى الرغم من ذلك فإن الذي شكل الحكومة كان أحمد أويحيى رئيس حزب التجمع الديمقراطي. والآن يبدو ان بوتفليقة يدرك انه يدخل الى مرحلة حرجة، عليه ان يتخذ فيها قرارات مصيرية من هنا اعاد الأمور إلى نصابها الطبيعي بتكليفه بلخادم تشكيل الحكومة الجديدة.
وهو بذلك بعدما كان يؤمن جبهة التحرير كقاعدة سياسية له، أراد ان يعطي لقرارات الحكومة نفس البعد بأن تكون لها قاعدة سياسية راسخة سواء من داخل البرلمان والمؤسسات السياسية المتعددة او من الشعب الجزائري الذي يدعم قطاع لابأس به منه جبهة التحرير الوطني.
وفيما يتعلق بالنقطة الثانية الخاصة بتعديل الدستور يجب الإشارة أولا إلى أن الدستور الجزائري الجديد لايزيد عمره عن 10 أعوام وتمت صياغته والموافقة عليه من قبل الناخبين في عهد الرئيس السابق زروال،.
وقد ساهم هذا الدستور في خلق واقع جزائري جديد ساهم في تهيئة المناخ لإخراج الجزائر من أزمتها، وهناك من المراقبين للشأن الجزائري من رأى ان احد أساسيات هذا الواقع الجديد هو انه أتاح الفرصة أمام تداول السلطة وتدوير عناصر النخبة الجزائرية.
ومن هذه الإشارة فقط يمكن القول إن ما يهدف إليه الدستور الجديد أو التعديلات المرتقبة خاصة مايتعلق بإمكانيات التجديد للرئيس بوتفليقة لولاية ثالثة يمكن ان يفتح المجال امام المزيد من التوترات، ليس فقط بين الدولة ومناوئيها من الجماعات الأصولية التي تمارس العنف ولكن من عناصر داخل النخبة ذاتها، كانت تتمرد على بوتفليقة او لاتتعايش معه وكانت تنتظر ان تنتهي ولايته الثانية من اجل بدء مرحلة جديدة من العمل السياسي او من علاقتها بالعملية السياسية.
وعلى رأس هذه الجماعات عناصر داخل قيادات الجيش الجزائري غير راضية عن أداء الرئيس لكنها كانت لاتريد الصدام معه وتنتظر انتهاء ولايته الثانية ورحيله وتعيد هي بعد ذلك ترتيب اولوياتها بشأن الأمور السياسية، من هنا فإن التعديل المقترح يمكن ان يصدّر الخلافات الكامنة بين الرئيس والمؤسسة العسكرية.
وهي حول قضايا ونقاط متعددة، إلى واجهة العملية السياسية بعدما كانت في خلفية هذه العملية، وهذا الأمر ليس في صالح الجزائر ولا في صالح الأشواط الطويلة التي قطعتها في مراحل تجاوز أزمتها وهي أشواط كان معظمها وليس كلها بالقطع خلال رئاسة بوتفليقة.
وهذا الأمر يرجح عكس ما طرحه رئيس الحكومة الجديدة من الدستور الجديد هو لمرحلة ما بعد الأزمة بعدما نجح الدستور الحالي في إنهاء الأزمة، اي ان الظروف تجاوزته وهذا القول خارج تصورات العلوم القانونية والسياسية المتعلقة بوظائف الدساتير وادوارها. فإذا كانت الجزائر تتمتع حاليا بهدوء نسبي، فإن ما يريد الرئيس ان يقوم به يمكن ان يخلق ظروفا لإعادة انتاج الأزمة.
وبالطبع يوحي الرئيس بأن هذه الأمور تأتي بعيدا عنه وانها ماهي الا محاولة من الحكومة للقفز على الأزمة لكنها سوف تؤدي الى انقسام النخبة الجزائرية مرة اخرى ولن يكون الانقسام فقط بين التيارات الثلاثة السابق لنا الاشارة اليها، ولكن سوف يكون الانقسام اكثر حدة داخل تيار الوسط اي التيار الوطني، وهو الأمر الذي يمكن ان يعيد الاوضاع في الجزائر إلى المربع رقم واحد وفي هذه الحالة لن يمكن تجاوز الأزمة هذه المرة.
والمتابع لشؤون السياسة الجزائرية يعرف انه عندما تنقسم النخبة فيها فإن ذلك يمكن ان يفتح الباب امام مؤامرات داخلية وامور اخرى خارج السيطرة قد تعيد انتاج اوضاع المرحلة الأخيرة في عهد الرئيس زروال الذي لم يستطع التعاطي معها وفضل الاستقالة عن البقاء في الحكم من دون سلطات قوية تتيح له تنفيذ برامجه.
وهذا الأمر مرشح للتكرار اذا ما فرض بوتفليقة محاولاته للبقاء في الحكم لفترات أطول من تلك التي يسمح بها له الدستور الحالي والمخرج الوحيد للنجاة من هذا السيناريو هو ان يكون تعديل الدستور او تغييره معبرا عن توافق عام داخل النخبة الجزائرية.
كاتب مصري
