لا شيء مجاناً في الحياة.. وبالضرورة فإن ثمن الحصول على الحرية كبير ومكلف ويصل أحياناً إلى التضحية بالنفس، وضعنا العربي مزرٍ، وتغييره يتطلب تضحية من قبل الراغبين في الإصلاح الحقيقي، وفي قلب هؤلاء الراغبين تأتي النخبة المثقفة أو قادة التغيير.
ومن دون نخبة حقيقية تظل كل الهبات والتحركات والاعتصامات والاحتجاجات ـ مع كل التقدير لها ـ مجرد ثرثرة في الهواء، أو مقالات بلاغية في الإعلام، وقعقعة بلا طحن، لا تمثل أي خطر على سلطات الفساد المتكلسة. كارثتنا العربية في أحد أوجهها هي إضافة لفساد الحكومات فساد النخبة المثقفة.
هذه الحالة مستنسخة في الوطن العربي تقريباً، لكن المثال المصري هو الأكثر سطوعاً.. في الفترة من 1968 وحتى أوائل الثمانينات كان دور المثقفين طليعياً بحق، التحموا بالجماهير.. عارضوا النظام بصلابة ودفعوا ثمناً فادحاً وسيرة معظمهم النضالية ظلت مثالاً يحتذى.
لكن وبدءًا من أوائل الثمانينات فإن أخطر ما فعله النظام بحق هو تدجين المثقفين واحتواؤهم بكافة السبل حتى انتهى معظمهم في «حظيرة الدولة».
من حق أي نظام أن يفعل ما يشاء لتأمين بقائه واستقراره، لكن هل من حق المثقف الحقيقي أن يساوم على مبادئه وأن يخون نفسه؟ تلك هي المشكلة بحق.. منذ القدم والخلاف على تعريف المثقف ودوره يشغل الجميع..
لكن هناك على سبيل المثال تعريفاً متفقاً عليه للمثقف الحقيقي حسب المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي الذي يرى أن المثقف العضوي هو كل شخص له صلة بالجماهير ويكافح بصورة ثابتة لتغيير العقول والأفكار، هو شخص في حالة اندفاع وحركة دائمين..
هو الشخص الذي يتبنى قضايا الجماهير الواسعة، ويمثل النقيض الموضوعي لمثقف البلاط الرخو. مفكر آخر هو جوليان بندا قال في كتابه «خيانة المثقفين» الصادر عام 1927 إن المثقف الفعلي هو «مخلوق نادر لأنه يساند معايير الحقيقة والعدالة الأبدية، ويقول الحق في أصعب الظروف».
بدوره فإن عالم الاجتماع الأميركي رايت ميلز كتب عام 1944 يقول إن «المثقف هو من بين الشخصيات القليلة الباقية المزودة بالقدرة على المقاومة والكفاح ضد تنميط الأشياء الأصيلة، وأنه لا ينبغي عليه الهروب إلى عالم الفن الخالص. إذن المثقف ليس هو ذلك الشخص الذي ألف الكثير من الكتب أو عرف العديد من النظريات، أو امتلك ناصية الخطابة والتنظير..
ذلك مهم بالطبع لكن من دون أن يكون للمثقف موقف واضح ومنحاز للعدل والحق ولجماهير شعبه، فكل ما يمتلكه هواء، أو هراء، إذا استخدم فصاحته وخطابته في التنظير للظلم، وخيانة الشعب الذي ينتمي إليه. طبقاً لهذه التعريفات القريبة من الصواب فإن غالبية المثقفين العرب وفي طليعتهم المصريون قد باعوا أنفسهم إلى الشيطان.
ليس ذلك فقط بل إن بعضهم فقد صفته كإنسان.. هل رأيتم مثقفاً حقيقياً يتعالى على الآخرين؟.. أعرف أحدهم «يتفشخر» على الفراش ويتعمد إذلاله وتعذيبه، رغم أن هذا المثقف لا هم لديه ليل نهار سوى الحديث عن آلام الفقراء والمهمشين..
وهكذا وجدنا صنفاً من المثقفين في الفترات الأخيرة يمكن شراؤهم بعضوية لجنة أو منصب، أو قطعة أرض وشاليه أو حتى مزرعة مواشٍ أو دواجن، والنتيجة أنهم ليس فقط فقدوا تأثيرهم، بل خسروا احترام الناس. هذه النخبة المجرمة أساءت لنفسها ولوطنها ولعموم المثقفين.
وجعلت البسطاء يفقدون ثقتهم في أي كلمة يقولها أي مثقف، وجعلت كل المثقفين الشرفاء يفضلون الإنزواء وايثار السلامة في منازلهم وأعمالهم. لكن قلة تعد على أصابع اليدين أمثال طارق البشري وسليم العوا ومحمود أمين العالم ومحمد عودة وعبدالوهاب المسيري أبت التدجين ورفضت دخول «الحظيرة الرسمية».
كما رفضت الانزواء، وانحازت لمبادئها وظلت قابضة على الجمر، ودفعت الثمن كاملاً، حتى وهي أحياناً داخل «المؤسسة».
من بين هؤلاء أيضاً أحمد نبيل الهلالي الذي توفي الأسبوع الماضي، هو ابن نجيب الهلالي باشا آخر رئيس للوزراء في مصر قبل ثورة 1952.
أحمد ترك كل العز والجاه والثروة وكرس نفسه للدفاع عن المقهورين والعمال الغلابة، ورغم ماركسيته دافع ببسالة عن الإخوان والجماعات الإسلامية، وكل صاحب رأي، ولذلك وصفوه بقديس اليسار، مات هذا الرجل النبيل وهو يحظى باحترام الجميع.
من بين القلة أيضاً د. أحمد عبدالله رزة الذي رحل قبل أيام في ذكرى هزيمة يونيو عن 56 عاماً فقط، كان زعيم الطلاب بلا منازع في الاعتصام الشهير عام 1972 وظل المرجع الأول في تاريخ الحركة الطلابية المصرية.
ولأنه عصي على التنظيم وعصي على التدجين، فقد رحل كما يقول أحد زملائه بلا عمل في أي مؤسسة عامة أو خاصة والسبب أنه كان يرفض دفع الثمن وهو حريته، ولذلك ظل ملتصقاً بأحلام أبناء حيه الشعبي في عين الصيرة. الهلالي وعبدالله لم يبيعا روحهما للشيطان مقابل بوش وبلير وعصابة إسرائيل في واشنطن، كما فعل اشتراكيون عرب كثيرون للأسف.
رحم الله الأحمدين الهلالي وعبدالله وأمثالهما، لكن العبرة والخلاصة أننا لن نرى تغييراً حقيقياً في وطننا العربي حتى يدفع أصحاب المصلحة في التغيير ثمن ذلك، فكما يقول فرانز كافكا «لا شيء مجاناً فحتى في الموت نحتاج إلى ثمن الكفن»!