للمجد شخصيات يصطفيها ويتوج حضورها من ألقه ويجلسها فوق صولجان التاريخ مخلدة للأبد. ومثلما تلد الرجال الذين يتركون على ثراها بصمات حضورهم فإن هذه الأرض تلد أيضا النساء اللاتي لا يغادرنها إلا والثرى مدموغ بما تركن من آثار، وعلى صفحات الزمن سير لهن لن تنمحي أبدا.
ومن هؤلاء النساء امرأة ولدت على هذه الأرض وترعرعت عليها ثم غادرتها والصفحات عاجزة عن أن تحتوي تفاصيل ما تركت من بصمات، إن على جبهات المجد أو في اختلاجات القصيد، إنها صنعا بنت مانع المكتوم.
امرأة جبلتها هذه الأرض بحب ترابها وغسلت جسدها من ملوحة بحارها لتجعلها سيدة عشق الماء والتراب.
امرأة ورثت عن أبيها الجالس على كرسي آخر للمجد في التاريخ شجاعته وحبه للعدالة وللعلم، وأرضعت أبناءها كل هذه الصفات. امرأة من هذه الأرض يعرف كل الذين عرفوها أنها كانت شخصية غير عادية على كل المستويات، دمغت بداياتها الأولى بحب العلم والتعلم وبحثت عنه في كل المشارب التي تعرفت إليها، مثلما حثت بنيها على التحلي به.
كما أنها تميزت بحضور غير عادي وشخصية فذة، شخصية تتوق دوما إلى جعل حياتها ملأى بالمعنى، سواء في اكتساب التجارب الإنسانية الثرية أو في البحث عن بهجة المعارف والاقتراب من الناس الذين لا يعيشون على هامش الحياة، بل يدمغونها بجلي حضورهم.
صنعا أيضا امرأة ارتبطت بالشعر، وشكلت من حروفه قصائد سوف تبقى جزءا مما يشكل وجدان الناس على هذه الأرض. وللمعنى المرتبط بالذوق المتحيز للحكمة وللمحبة في شعرها مفردات مثلت جانبا كبيرا فيه.
هي أيضا امرأة كانت لها روح بها توق عارم للانعتاق من كل القيود، فقد كانت امرأة حرة بكل المعايير، امرأة لم تخضع يوما لأي شكل من أشكال الخضوع أو الحدود، بل شكل البحث عن شاهقات القمم سماتها الأساسية.
لقد كانت شجاعة وقوية وتمارس طقوسا في الحياة لها مذاقها الخاص، مثل أن تذهب للصيد وتطارد ببندقيتها شوارد الغزلان والأرانب، كما هي سمات نساء العرب اللاتي سجل لهن التاريخ حضورا لا يغيب.
وهي أيضا تكاد تكون أيضا أول امرأة في هذا البلد تدخل ميدان الأعمال التجارية، بمفهومها المعاصر، وتبرع فيها، مثلما برعت في كل المناحي التي اشتغلت بها.
الداخل إلى مجلس صنعا يجد بجانب صور رجال عائلتها المميزين صورة لجمال عبد الناصر. وحين تسأل عنها فإنها تعبر عن إعجابها بالرجل الذي، كما تقول، قد تحيز لعزة أمته ودمغت مشاعر الاستقلال روحه وشخصيته، فلم يرض أن يذل أو يذل شعبه. وما وقفة صنعا مع عائلة عبدالناصر دوما إلا تعبير عن هذا الموقف.
لها أيضا تحيزها الذي لا تخفيه لقضايا أمتها، وأذكر أنها دعتني يوما للبحث في وسيلة تجعل الناس تستعيد حماسها للوقوف مع الشعب الفلسطيني في محنته، وكان ذلك في وقت الانتفاضة الثانية، فقالت انها تريد أن تتبرع للانتفاضة وأن يكون هذا التبرع معلنا حتى ينافسها فيه آخرون ممن يقفون لنصرة قضايا أمتهم ويتميزون لرفع الظلم عنها.
وبالرغم من المكانة الخاصة التي شغلتها صنعا إلا أن شخصيتها تحلت ، كما يعرفها كل الذين اقتربوا منها، بتواضع شديد، لكنه أيضا تواضع تستطيع وأنت في حضرتها أن تكتشف أنه لا يلغي كونها، إن حضرت، فإنها سيدة المكان بامتياز.
لقد كان لحضورها ذوق خاص يدمغه التواضع بمساحات من الترحاب والاحتواء والحميمية يشغلها كل الجالسين في مجلسها، وكل الذين يعرفونها يعرفون أن احترام الإنسان كان ديدنا في عرفها وأن كرم الأخلاق، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، كان الصفة الأساس في شخصها.
إن كل الصفات التي تحلت بها صنعا تجعل من فقدانها خسارة كبيرة، ليس فقط لأهلها ولأصدقائها وناسها، ولكن لهذه الأرض التي فقدت أيضا واحدة من بناتها اللاتي لم يكن مرورهن في هذه الحياة عابرا، بل تركن بصمة لهن على وجه هذه الأرض تلونها المعاني الحلوة، ويرفعها المجد في شواهق صروحه.
وحتما ستشتاق اليك ياصنعا كل هذه المعاني، مثلما ستشتاق اليك أماسي الشتاء التي كنت تجلسين فيها وسط رمال، إن عز الذهاب إليها أتيت بها إلى حوش دارك وأحضرت معها حطب السمر لتوقدي نارا تتدفأ بحضورك.
ستشتاق اليك حبات الكستناء وأنت تشوينها في النار ثم تفرقينها هي والفندال (البطاطس الحلوة) على الجالسين معك، سيشتاق اليك ويفتقدك رفاقك الشعراء والشاعرات الذين سيفتقدون من يرد عليهم لو أثارت قصائدهم شيئا من الشجون أو من المشاعر العظيمة.
سيفتقدك شاطئ البحر وهو يراقب خطواتك الفجرية تمر على مساحات دارك في رياضتها الصباحية، وسيفتقدك طلع نخيلك وأنت تتذوقين بشائره، بعد أن غرست فسائله ورعيتها وربيتها بكل الحنو. وسنفتقدك نحن الذين كان جلوسك معنا قصيدة حلوة تغنيها ليالينا وتنتعش بها أفراحنا، سنفتقدك أما وأختا وصديقة وسندا لم يشكل لنا إلا جدارا من العز والشموخ.
وسيفتقدك أيضا شباب وبنات من العرب رعيتهم وسهلت دروبهم في الحياة وفي طلب العلم وحافظت على كرامتهم. سيفتقدك أناس إن ضاقت بهم الحياة سارعت إلى دفع ضيقها وحنوت عليهم. واعذرينا إن قصرنا في شيء نحوك، فنحن حتما لن نوفيك حقك.
لروحك الطيبة ندعو اليوم بالرحمة وأن يتغمدها الرحمن في واسع جنانه. ولك المجد كما كنت وكما ستبقين، وحتما لن تنسى هذه الأرض طيب خصالك بل ستبقين في ذاكرتها دوما.
وداعا أم مانع، وعسى أن لا تفقد أرضنا بنات يتسمن بخصالك الخيرة والحلوة، ويحملن من سماتك ما يعطيهن ألق الوجود الحق والكريم وألق التحدي الجميل والشموخ، وعليك السلام.
جامعة الإمارات