يقال إن أكثر من ثلاثة ملايين شخص ذهبوا إلى ألمانيا لتشجيع منتخبات بلادهم في منافسات كأس العالم لكرة القدم التي تجري منافساتها في أكثر بلدان العالم عشقاً للنظام والانضباط، فعبثوا بهذا النظام ومسّوا الكثير من قيم الانضباط الألماني.

وفي كلتا الحالتين هناك من استاء وهناك من رأى في هذا الطيف البشري المتواجد هناك حالة من تفتيت العبوس الألماني ورسم ابتسامة مشاغبة على وجه طالت تكشيرته أكثر من اللازم!

فالألمان شعب لا يعرف الضحك والابتسام، وأغرب النوادي التي يمكنك أن تسمع بتأسيسها وكثرة طلبات الانضمام إليها هي تلك التي بدأت تنتشر في مدن ألمانيا، نوادٍ لتعليم الألمان الضحك والخروج من حالة الجدية والوقار المبالغ فيهما.

ففي ألمانيا يمكن أن ينظر إليك رواد المطعم باستياء شديد إذا فكرت أن تقهقه على الطريقة العربية المعتادة، أو إذا تركت لهاتفك النقال العنان كي يصدح بنغمات وألحان شائعة عندنا هنا، مع ذلك فإن كأس العالم كسر عبوس ألمانيا كلها برغم استياء المحافظين الجرمان، وستقهقه ألمانيا حتى الفجر إن هي فازت باللقب.

والذين يتابعون مباريات كأس العالم الذي حرم كثيرون من متابعته بسبب نظام التشفير المتبع، يلاحظون أن العالم كله وليس الألمان والإنجليز فقط منساق وراء كرة القدم، يتحدث عنها، يتابعها، يهتم بها، يحفظ جداول مبارياتها وأسماء لاعبيها، رجال أعمال، مثقفون، طلاب جامعات ومدارس أطفال، نساء رجال، شباب كهول، الكل منتمٍ لحزب كرة القدم، والكل يرفع صوته مشجعاً جيوش جمهورية كرة القدم الذاهبة لخوض معاركها المقدسة، أو تلك القادمة منتصرة من تلك المعارك.

العالم كله يتحدث كرة القدم، لكن لماذا؟

السؤال ليس احتجاجاً على الظاهرة، وإنما بحثاً في السلوك الإنساني المندفع باتجاه هذه اللعبة التي يحلو للجميع تسميتها بلعبة الفقراء والتي لم تعد كذلك، فالفقراء وحدهم من حرم متابعتها هذا العام بعد أن دخلت الكرة السباق الرأسمالي المحموم بين الفضائيات، السؤال هو في المغزى والمعنى الذي تحمله هذه اللعبة للناس؟ ماذا يرون فيها: متعة وجمالاً؟

حيوية وشباباً؟ فناً كروياً وتكتيكات تدفع للحماس والنشاط؟ أم إنها المرادف لحب الوطن والتعبير عنه صراخاً وزعيقاً وحزناً أو فرحاً في حالتي الفوز والخسارة؟ وهل تمنح الكرة مشجعيها الفرصة الكاملة للتعبير عن مشاعرهم بحرية كاملة بعيداً عن قيود السياسة والدين والاجتماع؟

كأس العالم هل هو حدث رياضي بحت، فهناك أحداث رياضية كثيرة تمر على الناس مرور الكرام دون ضجيج ولا أي اهتمام، هل هو حدث رياضي بصناعة إعلامية بمعنى أن الإعلام هو من صنع هذا الاهتمام بمتابعته واقتفاء دقائقه.

ومن ثم سحب الناس إلى ساحاته في كل لحظة؟ هل هو حدث رياضي وإعلامي فقط أم أنه صناعة متكاملة دقيقة بتوقيع عمالقة المال والاقتصاد والسوق وخاصة سوق الدعاية والإعلان والفضائيات؟

إن ملايين المشجعين يصرخون لمنتخباتهم أو لأنفسهم أيضاً. بينما يحصد أصحاب رؤوس المال الملايين الحقيقية!

sultan@dmi.gov.ae