ماذا يعني تأسيس ثلاث بورصات عالمية للنفط في ثلاث دول آسيوية إحداها ليست منتجة للنفط؟، إنه يعني الكثير والكثير، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب ولكن على المستوى السياسي أيضا، بل ربما يكون الحدث سياسيا أكثر منه اقتصاديا، خاصة وأن الدول الثلاث ليست على وفاق مع الدولة الأم التي تتحكم إلى حد كبير في توجيه أسعار النفط في العالم.

وهي الولايات المتحدة الأمريكية التي تملك أهم مؤشرات أسعار النفط في العالم، أما الدول الأسيوية الثلاث فهي روسيا والصين وإيران، الأولى والثانية في صراع غير معلن مع واشنطن على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والإستراتيجية بوجه عام، أما الثالثة وهي إيران فبينها وبين واشنطن صراع قد يصل لحد الحرب.

روسيا ثاني أكبر منتج للنفط في العالم بعد السعودية خرجت على الساحة العالمية خلال الأعوام الثلاثة الماضية كعملاق للطاقة يريد أن يتوغل في السوق العالمية للنفط والغاز بالشكل الذي يعيد له مكانته على الساحة الدولية كقوة عظمى، وهذا ما بدا واضحا في اتفاق خط الغاز الروسي إلى ألمانيا.

والذي من المتوقع أن يسد ما يزيد عن ربع حاجة الأوروبيين من الغاز الطبيعي، وهو أمر تخشاه واشنطن بشدة لأنه يفتح لروسيا الطريق لامتلاك أوراق ضغط قوية على الأوروبيين، وتملك روسيا وحدها احتياطي من الغاز الطبيعي يعادل ثلث الاحتياطي العالمي، أما النفط الروسي فقد أصبح بمثابة طوق النجاة للعملاق الأصفر الصيني بعد أزمة ارتفاع أسعار النفط وشح مصادره على الصين التي يزيد استهلاكها من الطاقة كل عام بنسبة 13%.

ولا تجد الصين مصادر كافية تغطي حاجتها من الطاقة سوي جارتها الغنية بها روسيا التي تملك وحدها في الوقت الحاضر نحو 10% من احتياطي النفط العالمي، ولديها مساحات شاسعة من الأراضي جاري فيها التنقيب واكتشاف منابع جديدة للنفط الذي تنتج منه سنويا نحو 480 مليون طن، بينما تستهلك الصين وحدها سنويا نحو 300 مليون طن، أي ما يعادل 8% من الاستهلاك العالمي.

لقد كان النفط الروسي حبيس الدولة السوفييتية العظمى، ولم يكن له تأثير كبير في الأسواق العالمية، كما كانت الصين آنذاك دولة عظمى لكنها متخلفة صناعيا، واستهلاكها من الطاقة كان محدودا.

أما الآن وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي فقد خرجت الدولتان للأسواق العالمية للنفط، روسيا كثاني أكبر منتج ومصدر بعد السعودية، والصين كثاني أكبر مستهلك للطاقة بعد الولايات المتحدة الأميركية، والنفط كأي سلعة يتحكم في أسواقها كبار المنتجين وكبار المستهلكين أيضا وفق قاعدة العرض والطلب.

ومن هذا المنطلق أعلنت الصين في شهر أبريل الماضي عن قرارها بتأسيس بورصة صينية للنفط في بكين تتعامل بالعملة الصينية (اليوان)، كما أعلنت روسيا في أول مايو الماضي عن إنشاء بورصة عالمية للنفط في موسكو تتعامل بالعملة الروسية (الروبل)، والقراران أحدثا ردود فعل قوية للغاية في الدوائر الغربية، وخاصة في واشنطن.

حيث أن البلدين يسعيان ليس فقط للتدخل في توجيه أسعار النفط العالمية، ولكن أيضا يسعيان لفرض عملتيهما اليوان والروبل في أسواق العملات العالمية، لتكونا أول عملات من دول المعسكر الاشتراكي السابق تأخذ مكانها في أسواق العملات الصعبة، والأمر هنا في رأي المراقبين سياسي أكثر منه اقتصادي، لأنه يعني انتقال موازين القوى الاقتصادية العالمية إلى جهات شرقية بعد أن كانت حكرا على الغرب.

ولكن إذا كانت روسيا ثاني أكبر منتج للطاقة في العالم وتستطيع أن تفرض بورصتها على الأسواق العالمية وإجبار من يريد أن يتعامل معها في الطاقة أن يتعامل أيضا بعملتها الروبل، فكيف للصين وهي مجرد مستهلك للنفط أن تفرض بورصتها وعملتها على الأسواق العالمية؟.

على هذا السؤال المهم تجيب متغيرات الأحداث على ساحة النفط العالمية في الآونة الأخيرة،وخاصة التطور الملحوظ في العلاقات بين المملكة العربية السعودية والصين في هذا المجال،واتفاقات الاستثمارات الهائلة التي تم الاتفاق عليها بينهما أثناء زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز للصين في يناير الماضي، وزيارة الزعيم الصيني هوجينتاو للسعودية في أبريل الماضي.

ومن أهم وأخطر هذه الاتفاقات موافقة السعودية ليس فقط على تصدير كميات هائلة من النفط للصين ولكن أيضا على إنشاء مخزون استراتيجي للنفط في الصين،وهو المشروع الذي ستساهم فيه كبرى شركات النفط من البلدين.

وستخصص له استثمارات تقدر بالعديد من المليارات، وبهذا تصبح الصين التي هي من أكبر مستوردى النفط صاحبة ثاني مخزون استراتيجي للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة التي تنفرد الآن بامتلاك المخزون الاستراتيجي الوحيد في العالم، وهذا في حد ذاته يعطي الصين الحق في المشاركة في توجيه أسعار أسواق النفط في العالم.

هذا إلى جانب مشروع آخر لا يقل أهمية عن مشروع المخزون الاستراتيجي، وهو افتتاح وبدء تشغيل أنبوب النفط القادم من كازاخستان إلى الصين في أواخر مايو الماضي بطول ألف كيلومتر، والذي سينقل للصين سنويا نحو 20 مليون طن من النفط.

أما الصدمة الثالثة للغرب وواشنطن، فكانت تقريبا في نفس توقيت الصدمتين السابقتين، وربما يكون توافق التوقيت مقصودا، وهي إعلان إيران عن تأسيس وتسجيل بورصتها للنفط والتي من المقرر أن تبدأ العمل قريبا.

وسوف تعمل بالعملة الأوروبية(اليورو)،وهذا يكشف بوضوح أن هناك استهدافا للعملة الأميركية (الدولار) التي لعب النفط دورا كبيرا في احتفاظها بالصدارة في العالم لنحو خمسة عقود مضت، كما أن الأمر يعني أيضا مد جسور الود والتقارب بين عمالقة النفط الآسيويين الجدد وبين أوروبا، وهذا في حد ذاته يسبب للولايات المتحدة ألأميركية إزعاجا وقلقا كبيرا على مكانتها العالمية، وكأن العالم سيعود من جديد للضفة الشرقية من الأطلسي مع زيادة ثقل الجبهة الآسيوية بشكل ملحوظ.

وعلى ما يبدو أن العملاق الاقتصادي الآسيوي اليابان يشعر برعب وقلق لا يقل عما لدى واشنطن، خاصة وإنها كانت في عزلة اقتصادية مع آسيا طيلة العقود الخمسة الماضية، وكانت معظم استثماراتها متوجهة للغرب الذي استضافها واحتضنها ضمن مجموعة الكبار الأغنياء.

ولهذا فإن اليابان تشعر الآن بندم شديد على الوقت الطويل الذي أضاعته في خلافات سياسية مع الصين وروسيا، وكان أفضل لها أن تتقارب مع هاتين الدولتين اقتصاديا،وكان هذا متاحا لها كثيرا لكنها كانت ترفض دائما توجيه استثماراتها وخاصة إلى قطاع الطاقة الروسي.

وذلك عندما عرض عليها الرئيس الروسي بوتين عام 2004 أن تدخل في استثمارات في مناطق الشرق الأقصى الروسية القريبة من الحدود اليابانية، ولكن طوكيو رفضت وطالبت أولا بإعادة جزر الكوريل الشرقية التي تحتلها روسيا منذ الحرب العالمية، ولم تستعد اليابان الجزر وخسرت سوق الطاقة الروسية.

هكذا يتشكل العالم من جديد على أسس اقتصادية بعيدة عن الأيديولوجيات لتظهر عمالقة وتهبط أخرى، وهذه سنة التطور لمن يعيها ويستفيد منها.

جامعة سيبيريا - روسيا