عندما يحاول الباحث متابعة أو رصد النشاط العلمي المتصل بقضايا الطاقة في أميركا ومنها البترول بالذات فلسوف يجد نفسه أمام حقيقة بالغة البساطة والأهمية في آن معا وهي: أن العقلية السياسية الأميركية تجمع دائما بين مسألة الطاقة - البترول وبين قضية الأمن القومي.
وفي ضوء هذه الحقيقة تعمل العشرات من مراكز البحوث ومعاهد التحليل العلمي لمسألة الطاقة من حيث العرض والطلب ومعدلات الإنتاج واحتياطيات المستقبل.
بل إن قضية الطاقة تكاد تشكل المنظور الأساسي الذي يطل منه واضع الإستراتيجية وصانع القرار في واشنطون على حاضر ومستقبل العلاقات الدولية ومن ثم على خارطة توزيع القوى الفاعلة على صعيد العالم.
وهناك من يطلق على قضية البترول، ومسألة الطاقة بشكل عام وصفا مستجدا وربما مستمدا من المصطلحات الإعلامية التي باتت تروج في هذه الأيام. ثمة كاتب وباحث أكاديمي مرموق اسمه «فرانك جافني» يطلق على سياسات البترول الوصف التالي: «لعبة القوة».
والكاتب المذكور يتولى رئاسة مركز سياسات الأمن القومي وقد نشر مؤخرا دراسة في المجلة الفصلية التي تحمل عنوان «جورنال أوف إنترناشيونال سكيورتي أفيرز»®. (ربيع عام 2006) وحرص على تصديرها بالمعلومات التي أوردتها أحدث تقارير وزارة الطاقة الأميركية وأفادت بما يلي:
من المتوقع أن يزيد الاستهلاك العالمي من الطاقة بنسبة 57 في المائة خلال الفترة التي بدأت عام 2002 وحتى عام 2025.
بيد أن أكبر زيادات تشهدها الفترة المذكورة (هي الراهنة بطبيعة الحال) سوف تكون على صعيد الاقتصادات الناشئة (البازغة واليافعة) وخاصة في قارة آسيا بما في ذلك كل من الهند والصين حيث النمو الاقتصادي الفعال يدفع إلى الأمام قاطرة الحاجة الماسة إلى استهلاك مقادير متزايدة من الطاقة (وفي صدارتها البترول).
ولأن البترول يرتبط وثيقا، وبالضرورة كما ألمحنا، بحراك القوى العالمية وبأنماط وديناميات العلاقات الدولية فلم تفت دراسات وإسقاطات وزارة الطاقة في أميركا أن تتوقف عند الصين على وجه الخصوص. وفي هذا تقول سطور الدراسات الأميركية. من المتوقع أن يزداد استخدام الصين للبترول بنسبة تبلغ في المتوسط 5,7 في المئة سنويا في عام 2010.
وإذا ما امتدت إطلالتنا هذه عبر المحيط الأطلسي فسيجاوبنا من انجلترا هذه المرة باحث مهم آخر ومتخصص في شؤون الطاقة هو البروفيسور «دانييل يرغين» الذي يرأس بحوث الطاقة في كامبردج، وقد ذاع صيته عندما أصدر منذ سنوات كتابه الشهير بعنوان «الجائزة: ملحمة البحث عن النفط والمال والقوة».
(بالمناسبة ينوي البروفيسور يرغين إصدار كتاب جديد عن «النفط.. والجغرافيا والسياسة»). والأستاذ القادم من كامبردج يتوقع في مقالة نشرها مؤخرا (مجلة فورين أفيرز، عدد أبريل 2006) أن يكون موضوع البترول في صدارة جدول أعمال قمة مجموعة الدول الصناعية المتقدمة الثماني المقرر عقدها في يوليو القادم في الحاضرة الروسية بطرسبورغ.
وهو يطالعنا في مقالته بحقيقة إحصائية لا بد من وضعها في الاعتبار وهي: في عام 2005، ولأول مرة في التاريخ، فاقت معدلات استهلاك الطاقة البترول في أسيا نظيرتها في أميركا الشمالية (أميركا وكندا بالذات).
ومرة أخرى فتش عن الصين في كل هذه الزيادات، لا من حيث النواحي التعدينية أو الفنية - التقنية فتلك أمور تدخل ضمن اهتمام الاختصاصيين (الاستكشاف.. التنقيب.. الحفر.. الاستخراج... الخ).
ولكن من حيث الأبعاد الجيوبوليتيكية المتصلة بقضايا السياسة وتحولات العلاقات الدولية والسلوك الخارجي لدولة كبرى أو هي في طريقها أن تكون كذلك في حجم الصين.
هنالك يرصد المراقبون ونتابع معهم من واقع الأدبيات السياسية والاقتصادية التي نصادفها في أميركا هذه الأيام - واقع الطموحات الخطيرة التي باتت تراود بكين بل وتزودها بدافعية تجعلها في حال من البحث الدائب عن مصادر جديدة للبترول.تقول دراسة الأستاذ فرانك جافني التي ألمحنا إليها في صدر هذا الحديث:
انطلق الصينيون يعقدون الصفقات ويبرمون التعاقدات من سيبريا (روسيا) إلى فنزويلا (أميركا الوسطى - اللاتينية) ومن إيران إلى كندا (الشرق الأوسط وأميركا الشمالية)، ثم من أذربيجان إلى كوبا.
ورغم أن أنماط الترتيبات تتباين من حيث فترتها الزمنية وطبيعتها وأهدافها ونوعية الأنشطة التي تنطوي عليها، إلا أن الصين حرصت - كما هو مرصود - على أن تنطوي هذه الترتيبات الدولية على عمليات واهتمامات شتى منها:
الاستثمار في عمليات الاستكشاف والتنقيب.. مد شبكات خطوط الأنابيب.. مصافي تكرير النفط وإنتاج المشتقات البترولية ثم مرافق استخراج وإنتاج ونقل الغاز الطبيعي ولا سيما من مصادره المؤكدة.
وبديهي أن النظرة الأولى على الأبعاد الجغرافية والموقعية لتلك الترتيبات التي تشارك فيها الصين كفيلة بأن تقض مضاجع صانعي السياسات وسدنة الأمن القومي في الولايات المتحدة.. أولا بسبب ما أصبح شائعا في مجالات السياسة والإعلام من أن أميركا تعاني علة «الإدمان النفطي»®.
وثانيا، لأن الترتيبات الصينية تكاد تغزو واشنطون في عقر قارتها سواء باتفاقات مع خصم نشيط وعفيّ في الجنوب اسمه شافيز في فنزويلا أو مع خصم قديم وعجوز اسمه كاسترو في مياه الكاريبي أو مع الجار الهادئ المتأني ولكن الباحث طبعا عن مصالحه إلى الشمال وهو كندا.
في ضوء هذا كله نقرأ ونفهم تلك الهجائية السياسية - الايكولوجية (البيئية) التي رددتها مؤخرا الأوساط الأميركية المعنية ضد الصين وحرصت النيويورك تايمز على أن تفرد لها صفحتين كاملتين (12 و 13) على غير عادتها فضلا عن إشارة سابغة لا تخطئها العين ولا الذهن في صدر الصفحة الأولى (عدد 11/6/2006).
والهجائية الأميركية تندد بما عمدت إليه الصين من محاولات استخدام الفحم الحجري بديلا عن، أو إضافة إلى، استخدام البترول لسد الجوع الصيني بكل نهمه وشراهته إلى مصادر الطاقة اللازمة للآلة الصناعية الجبارة التي تدور رحاها في بلد المليار إنسان ويزيد.
وفي هذا التحقيق الشامل والمفصل يتطرق أربعة من كبار محرري نيويورك تايمز إلى ما يصفونه بأنه مواد الفحم الصينية التي توصف حرفيا بصادرات الصين التي لا يكاد يعرفها أحد رغم أنها عبارة عن عصير السخام - الهباب مزودا بالكيماويات السامة وباعثا على انطلاق غازات تؤذي الأجواء وتلوث الهواء .
وتنشر في الغلاف الجوي سحابات بل هي غلالات قاتمة من الأدخنة السوداء التي تنبعث من مصانع استخراج الطاقة من خام الفحم في أراضي الصين.
ولا يتبادر إلى ذهن أحد أن المحللين الأميركان يؤرقهم الخوف أو الحدب على صحة سكان الصين المعرضين لغائلة هذا التلوث الخطير، وخاصة ذلك الناجم عن ثاني أكسيد الكبريت، الناتج بدوره عن عمليات احتراق الفحم داخليا .
وهو ما وصفه المحللون الأميركيون بأنه يشكل تهديدا فوريا لصحة البشر بل ويقضي في رأيهم إلى وفاة نحو 400 ألف صيني سنويا قبل الأوان، هذا فضلا عما تسببه «عوادم الفحم من أمطار حمضية لها محتويات سُمّية تصيب بالتلوث القاتل الأنهار والبحيرات والغابات والمحاصيل».
إن السبب الرئيسي في كل هذا الهلع الأميركاني يتمثل في عبارة «الصادرات الصينية» التي استخدمها تحقيق نيويورك تايمز.. ومؤداها أن سحابات التلوث الجوي ظلت تزحف وتتسع وتنتشر فإذا بها ترحل كي تجاوز سماوات الصين عبر المحيط الأطلسي إلى أن وصلت إلى أجواء ولاية كاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة شخصيا.
وإذن فالقوم في غرب أميركا يخشون مغبة خطر داهم عابر للحدود أو متعدد الجنسيات كما قد نقول.. ومعهم كل الحق فيما يخشون..
مع ذلك بقي أن يعمل أحد على تذكيرهم بأن هناك صكا دوليا خطيرا ما زال يقصد إلى معالجة مثل هذه المشكلات ويحمل عنوان «اتفاقية كيوتو بشأن تغير المناخ»®.
وقد وقعت صك هذه الاتفاقية وصدقت عليه أقطار شتى من عالمنا - لكن بلدا مهما وكبيرا رفض التوقيع عليه.. ناهيك أن ينفذوا أحكامه وهذا البلد اسمه.. الولايات المتحدة الأميركية!!
كاتب مصري