أشارت مقدمة مرسوم الاستفتاء على وثيقة الوفاق الوطني على لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى ان هذا الاجراء «ينطلق من التمسك بالثوابت التي أقرتها منظمة التحرير.

وتجسيدا للقسم الدستوري بأن أرعي مصالح الشعب الفلسطيني، بصفتي رئيسا للمنظمة وللسلطة الوطنية، انسجاما مع حقي وواجبي بالرجوع إلى الشعب مصدر السلطة...» هذه الجزئية من نص المرسوم تكفي للقناعة بأن عباس يعرض قضية الاستفتاء على عموم الشعب الفلسطيني، بصفته مسؤولا دستوريا عن رعاية مصالحهم. وهو يعتبر في الوقت ذاته أنه يمارس «حقاً» مكفولا له بهذه الصفة.

الواقع أن الساحة الفلسطينية تشهد راهنا تناظرا مريرا حول هذه «الأحقية» على اعتبار أن الدستور الفلسطيني (وهو في الحقيقة مجموعة من القوانين الأساسية) الذي أقسمت الرئاسة علي احترامه والعمل به لا يمنحها حق طرح الاستفتاء، لا بظاهر النصوص ولا بباطنها .

وإن قيل إن سكوت المشرع عن معالجة هذه القضية هو لصالح الرئاسة، لأن الأصل هو الإباحة وليس حجب الصلاحيات عنها، فإن القول ذاته يمكن أن ينطبق على رئاسة الحكومة والمجلس التشريعي والسلطة القضائية!. هذا علما بأن الرئيس لا يشكل وحده السلطة التنفيذية بل إنه يمارس هذه السلطة مع الحكومة.

وهو ما يقتضي جدلا أن يجري التوافق بين هذين الفرعين، الرئاسة والحكومة، على طرح الاستفتاء من عدمه، حتى لو كان هذا الإجراء من صلاحيات الرئاسة.

سيكون لهذا الجدل أصداء واسعة، وربما خطيرة، عند النظر في مدى دستورية الاستفتاء.. لكن ما يعنينا في هذا المقام أكثر، هو التأمل في صحة دعوى المرسوم بأن خطوة الاستفتاء تقوم على رعاية مصالح الشعب. فالمفترض بالمنطق وبتحليل المضمون أن هذه الخطوة تخص كل أبناء الشعب الفلسطيني، الذين تمثلهم منظمة التحرير والسلطة الوطنية المومأ إليهما في النص.

أين هذا الفهم مما يتضمنه المرسوم ذاته في موضع لاحق حول اقتصار المشاركة في الاستفتاء على من لهم حق الانتخاب في الضفة وغزة والقدس، أي على أبناء الأرض المحتلة 1967، فقط لا غير؟!.

نحن هنا إزاء نص يخالف أوله آخره. ذلك أن ثلثي الشعب الفلسطيني الذي تمثله الرئاسة وتقصده بالرعاية وتسهر على مصالحه العليا، لن يشارك في هذا الاستفتاء برأي.

من التبريرات التي يتداولها ويسوقها مؤيدوا الاستفتاء بخصوص هذا الاستثناء، أن الإجراء يتعلق أولا بقضايا لصيقة بالأهل في حدود الأرض المحتلة، وأنه من الصعوبة بمكان كبير ثانيا تنظيم مشاركة فلسطينيي اللجوء في هذا الإجراء. والحق أن هذين التفسيرين يعانيان من الوهن.. بل وربما انطوى أولهما على قدر من التساذج والاستخفاف بعقول المتابعين والمعنيين بالأمر.

فمن ناحية، ربما أمكن قبول التبرير الأول فيما لو كان الاستفتاء يتعلق بتنظيم الشؤون البلدية والمرافق العامة، كالطرق والماء والكهرباء وخدمات الصرف الصحي والهاتف ومياه الشرب وصيانة الممتلكات ومشروعات الإسكان والتوظيف ومحاربة البطالة ونحوها.

وبالطبع يمكن تفهم هذا التبرير حتى لو كان المطروح على المستفتيين هو حدود التفاوض أو التطبيع مع الجانب الإسرائيلي حول هذه الأمور الحياتية.

لكن أكثر الناس بلادة يدرك أن الاستفتاء يخص قضايا وطنية، وربما قومية، فارقة في تحديد المصير الفلسطيني: أهداف الحركة الوطنية ووسائل تحقيقها، وتفعيل منظمة التحرير، والاعتراف بإسرائيل وتبعاته على الحقوق الفلسطينية تاريخيا وقانونيا، وحدود الدولة الفلسطينية..إلخ.

مثل هذه الخصائص، تضفي على الاستفتاء مواصفات الخطوات الاستراتيجية التي تفصل بين مراحل وتوجهات ونوازع إيديولوجية وبرامج سياسية. ومبلغ العلم أن قطاعا أو كتلة أو أحدا من فلسطينيي الخارج لم يفوض أهل الداخل في إصدار فتوى حول محتوى وثيقة الأسرى بالنيابة عنه.

ثم إن هذه النيابة لا تصح أصلا إذا ما صدرت في شكل بيانات مرسلة عن هيئات وأطر ورموز ما، تعلن تأييد أو رفض الوثيقة لأن الاستفتاء إجراء يستهدف إفصاح أبناء الشعب عن موافقتهم واحدا واحدا وبصفاتهم الفردية.

ومن ناحية أخرى، فإنه إذا صلحت النيات، ليس من المستحيل إبداع وسائل استطراد الاستفتاء إلى جموع الفلسطينيين في مناطق اللجوء والنزوح لاسيما وأن هذه الآلية لا تنطوي على تعقيدات عمليات الانتخاب، كما أن معظم الدول المضيفة للكتل الكبرى من اللاجئين والنازحين لديها خبرات في الأخذ بالاستفتاءات.

ولو أحيط استفتاء هؤلاء الضيوف في تقرير شأن عظيم من شؤونهم، مرة في العمر منذ أحداث النكبة، بالضمانات الأمنية والسياسية اللازمة، فقد لا تمانع هذه الدول في تنظيمه بين يديها. غير أن المنتظر والمتوقع إفساح متسع من الوقت للاضطلاع بهذه العملية، وهو أمر لازم في كل الأحوال حتى بالنسبة للشروع في الاستفتاء داخل الأرض المحتلة.

وقبل ذلك كله، لا يصح الدفع بصعوبة استفتاء اللاجئين والنازحين إلى درجة الاستحالة، قبل استمزاج الحكومات المضيفة والتعرف على مواقفها من هكذا خطوة والتعريف بهذه المواقف بكل شفافية.

هناك إجمالا زهاء خمسة ملايين لاجئ ونازح فلسطيني، لم يمارسوا حقهم المشروع في المشاركة السياسية عبر الانتخاب أو الاستفتاء منذ عام 1948. لقد غاب عنهم هذا الحق الذي يمنحهم شرف الإدلاء بكلمتهم مباشرة في قضيتهم وفيمن يمثلهم في زمن منظمة التحرير وكذا في عهد السلطة الوطنية. هذا على حين مارس مواطنوهم في الأرض المحتلة هذه الفضيلة لأكثر من مرة.

ونحسب أنه حان وقت التفكير جديا في الاستماع إلى هذه الكلمة بلا وساطة ولا وصاية ولا إنابة من هيئة أو فصيل أو طرف. ندفع بذلك وفي الخاطر أن تكرارية عزل أهل الخارج عن سيرورة العملية السياسية الفلسطينية، قد يفضي إلى ما يشبه القطيعة.

وربما زوال وحدة التصورات السياسية ومفهوم المصير المشترك بين شعب القضية الفلسطينية الواحد، عدا أن هذا العزل يتناقض مع الممارسة الديمقراطية ويجعل أي معالجة للقضية الفلسطينية بناء على رأي أهل الداخل وحدهم تعاني من نقص وعوار ربما يقضي عليها في وقت أو آخر.

كاتب وأكاديمي فلسطيني