رحل أحمد نبيل الهلالي. «قديس الماركسيين» كما كانوا يطلق عليه الماركسيون في مصر. وكان الكثيرون يطلقون عليه «غاندي العرب» لأنه كان كثير الشبه بغاندي شكلا وموضوعا. فهو ابن نجيب باشا الهلالي آخر رؤساء وزراء مصر قبل ثورة يوليو.
والذي ترك كل ميراث أبيه من قصور وعمارات وآلاف الفدادين الزراعية ليسكن في شقة صغيرة متواضعة في حي شعبي في القاهرة.
وليعتنق المبادئ الماركسية ويقود الحركة الشيوعية في مصر. إنه نبيل الهلالي المحامي الذي كان مكتبه في عمارة الإيموبيليا في وسط القاهرة ملجأ للآلاف من عمال مصر وقضاياهم أمام المحاكم.
ولم يكن الهلالي يتقاضى قرشا واحدا عن هذه القضايا من العمال. حتى رسوم رفع الدعاوى أمام المحاكم والتي يدفعها صاحب القضية كان الهلالي يدفعها من جيبه.
ولا أذكر قضية عمال أو قضية سياسية في مصر لم يترافع فيها الهلالي وبدون مقابل. حتى قضية اغتيال السادات. وأذكر هنا مقولة لأحد زعماء جماعة الإخوان المسلمين في مصر وهو الأستاذ «محمد المسماري» المحامي.
والذي رافق نبيل الهلالي قرابة ربع قرن في عضوية مجلس نقابة المحامين في مصر. كان المسماري يقول «لو كان في الشيوعية حسنة واحدة فهي نبيل الهلالي».
رغم اختلافي مع الفكر الماركسي. ورغم تحفظاتي الكثيرة على ممارسات الماركسيين العرب والمصريين منهم خاصة. و رغم أنني أحملهم جزءاً كبيراً من المسئولية عن تخلف وتراجع الحركة السياسية في مصر والعالم العربي بسبب نضالاتهم الشكلية والمتقلبة مع كل الألوان والاتجاهات.
والتي وصلت بهم أخيرا إلى أن أصبحوا من كبار الليبراليين الجدد المدافعين عن الشعارات الأميركية في الإصلاح والديمقراطية. رغم كل هذا إلا أنني مثل كل الآخرين نحب ونقدر ونحترم بشدة أحمد نبيل الهلالي.
رجل المبادئ الصادق طيلة حياته في نضاله ودفاعه عن مبادئه. والذي لم يتنازل أبدا. ولم يختلف عنده السلوك الشخصي عن السلوك السياسي والأيديولوجي.
فقد كان دمث الخلق ومتواضعاً إلى أبعد الحدود التي يصعب وصفها. وكان يجيد الحوار والحديث إلى خصومه السياسيين أكثر منه مع أنصاره من أصحاب فكره الماركسي الذين كان يثقلهم ويحرجهم كثيراً أن يقارنوا به لأنهم على عكسه تماما كانوا يقولون ما لا يفعلون.
قد تختلف مع الشخص فكريا وعقائديا وترفض بشدة فكره وتوجهاته الأيديولوجية لكن هذا لا يمنع من أن تحترم هذا الشخص أشد الاحترام وربما تحبه لسلوكه الجيد ولمدى إخلاصه وتفانيه في خدمة فكره ومبادئه. وهذا ما ينطبق بالفعل على نبيل الهلالي مع كل من تعاملوا معه وعرفوه من زملائه المحامين. و من القضاة الذين وقف يترافع أمامهم.
وأيضا من المحققين الذين حققوا معه في مرات اعتقاله وحبسه العديدة. وهل أكثر من أن يضع الإخوان المسلمون أنفسهم اسم نبيل الهلالي الماركسي ضمن قائمتهم في انتخابات نقابة المحامين المصرية لأنهم يعلمون أن أية قائمة تخلو من الهلالي مرفوضة من المحامين أذكر هنا مرافعة نبيل الهلالي في قضية أحداث 19 ,18 يناير 1977 الشهيرة في مصر.
عندما وقف الهلالي يترافع دفاعا عن المتظاهرين المقبوض عليهم في الانتفاضة التي أسماها الرئيس السادات «انتفاضة الحرامية». وأطال في المرافعة حتى تجاوز الساعتين ونصف. وتوقف فجأة ليعتذر للقضاة عن الإطالة. رغم أن القضاة لم يقاطعوه أثناء مرافعته ولا مرة واحدة. وليس من عادة القضاة أن يتحملوا مرافعة طويلة تستمر ولو لساعة واحدة.
وأراد الهلالي أن يعتذر للقضاة عن الإطالة. فأجابه رئيس المحكمة قائلا «استمر يا أستاذ نبيل في مرافعتك. نحن هنا لنستفيد منك ونستمتع بمرافعتك». لقد كانت مرافعات الهلالي بصدق ممتعة ومفيدة لدرجة أن زملاءه المحامين كانوا يسجلونها لأنفسهم على شرائط تتداول بينهم. مثلي مثل غيري سبق أن تحدثت و كتبت عن نبيل الهلالي الكثير أثناء حياته.
والآن وقد رحل عنا. تهرب مني الكلمات وتخنقني العبرات عندما أتذكر هذا الرجل العظيم. وأفتخر كل الفخر أنني كنت زميلا له في المحاماة وتلميذا من تلاميذه أجلس الساعات الطويلة لأستمع لمرافعاته الممتعة في أشهر القضايا السياسية في المحاكم المصرية.
ورغم أنه شيوعي وماركسي قوي إلا أنني لا أخجل أن أدعو الله عز وجل أن يتغمده برحمته ويدخله جناته. إن لم يكن لمواقفه العظيمة في الدفاع عن الفقراء والكادحين فعلى الأقل لحسن خلقه العظيم الذي شهد له به الجميع. بما فيهم أكثر الناس تدينا. ولا شك أن الحركة السياسية في مصر خسرت برحيله خسارة يصعب تعويضها في زمن يندر فيه الصادقون.