يضرب الكتاب وأصحاب التوجهات السياسية الليبرالية من إخواننا العرب كفاً بكف هذه الأيام نادمين أشد الندم على ثقتهم بالمشروع الأميركي حول الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي.

فلقد تراجعت أميركا عن مشروعها هذا وخفضت نبرتها كثيراً، واختفت عنتريتها التي أخافت بها بعض الأنظمة والدول ذات يوم، فأحبط الإصلاحيون وارتاحت الأنظمة، مع ذلك فهذا ليس موضوعنا الرئيسي، لكنها المقدمة.

موضوعنا أثارته بعض الأخبار المحلية التي تواترت خلال الأيام الماضية ومن جهات مسؤولة أحياناً حول تراجع موضوع التوطين في دوائرنا ووزاراتنا ومؤسساتنا الحكومية وبشكل ملحوظ، فإذا كانت أميركا قد تراجعت عن مشروعها خوفاً من تصاعد نجم الإسلاميين كما حدث في فلسطين ومصر والعراق؟

فلماذا تراجع مشروعنا هنا في الإمارات وتدنت نسب التوطين، هل لذلك علاقة بتصاعد تهمة العنصرية التي صار البعض يلصقها بنا لأننا نسعى لتوطين أجهزتنا الإدارية وملئها بأبناء الإمارات وإحلالهم محل الموظفين غير المواطنين وإعطائهم الأولوية في التوظيف؟ أم أن للتراجع أسبابا أخرى لها علاقة بالعشوائية وعدم المتابعة والتخبط في بعض الأجهزة والدوائر؟

أعتقد أنه لا شيء أهم في قضية إصلاح الأجهزة الإدارية في الدولة من مسألة التوظيف والتوطين، فلدينا شباب متعلم يفوق مستواه مستوى كثير من الموظفين القادمين إلينا من مجتمعات لا تملك هذا التطور العلمي والتقني الذي نملكه في الإمارات، لدينا شباب ننفق عليهم الملايين كي يدرسوا ويتعلموا ويحظوا بتعليم عالٍ جداً في أرقى جامعات الغرب والشرق وأميركا وحتى اليابان.

إذن فلا مشكلة لدينا لا في الكم ولا في الكيف، فلماذا هذا الإصرار على البقاء في الدائرة نفسها التي مل الكثيرون من الحديث عنها وفيها وهي قضية التوطين وتوظيف الشباب العاطل؟

يقول البعض إننا لا نشعر بالمصيبة إلا بعد فوات الأوان فهل هذا صحيح؟ هل أصبح هذا التعاطي مع المشكلات بتأجيلها أو تجاهلها خطاً ثابتاً ينطبق على كل المشكلات، فهكذا فعلنا مع مشكلة التركيبة السكانية حتى صارت تخنقنا اليوم بكل إفرازاتها من ضياع الهوية وتكدس المدن والمشكلات العمالية وازدحام الشوارع و... الخ، لماذا نكرر أخطاءنا مع أن لدينا كل الإمكانيات لوضع حلول لهذه المشكلات؟

لا نقول بالحلول الجذرية فنحن نعلم أنها من القرارات الصعبة بل والمستحيلة أن تحل مشكلاتك بقرار حاسم تجتث فيه المشكلة من جذورها، خاصة نوعية المشكلات التي نعاني منها، لكن ألا تبدو الحلول قصيرة المدى أو المرحلية خياراً حكيماً ومطلوباً بل ملحاً، للحفاظ على منجزاتنا الضخمة التي حققناها خلال السنوات الماضية أولاً، ولبقاء صورة الإمارات براقة خارجياً ووضعها آمناً في الداخل ثانياَ.

sultan@dmi.gov.ae