الفوبيا هي حالة خوف أو هلع شديد لأسباب غير واقعية من شيء لا يستثير بطبيعته الخوف. في عالم الطب يسمونه العصاب أو الرهاب وهو شعور المرء بخطرٍ يتهدده مع أن هذا الخطر لا وجود له في الواقع. كأن يخشى ركوب مصعد أو طائرة أو قطار أو يتحاشى الخروج في الأوقات المطيرة خشية أن يصعقه برق، وهذا بالضبط ما يحدث مع أي اتجاه إسلامي في أركان الدنيا الأربعة.
ومع أن الإسلاميين أناس مثلنا فيهم من هو أرق من النسيم إلا أن الغرب جعل منهم كائن فرانكشتاين الذي ينوي الفتك بالجميع بمن فيهم صانعه. والغريب أن المخاوف من ذوي الاتجاهات الإسلامية قد بنيت كلها على سلسلة من الأكاذيب شاركت في صنعها السينما والمخابرات الغربية وصدقها الجميع بمن فيهم كثير من المسلمين مع أنه ليس لها ظل من الواقع اللهم إلا تصرفات فردية هنا وهناك.
وهذه التصرفات لا يمكن لأي عاقل أن يدمغ بها أي تيار رئيسي في عالمنا العربي والإسلامي على اتساعه، إضافة إلى أن كل الأمم والديانات لم تخل من متطرفين، فالصرب في حروبهم ضد البوسنة ثم كوسوفو ارتكبوا فظاعات لا توصف..
ونفذوا مجازر راح ضحية بعضها عشرات الآلاف، وأبادوا سكان مدن بأكملها غير مفرقين بين شاب مقاتل وطفل صغير وشيخ فان، والصهاينة في حروبهم ضد العرب محوا مدنا وقرى من على وجه الأرض وقتلوا تجمعات بالمئات وأحيانا بالآلاف من الأسرى وقصفوا بالنابالم مدارس ومقار للأمم المتحدة كان أطفال ونساء لاذوا بها، وداسوا بالدبابات جرحى.
واليابانيون في الحرب العالمية الثانية ارتكبوا مجازر راح ضحيتها الملايين في دول شرق آسيا كما نفذوا هجمات الكاميكاز اليائسة ضد ميناء بيرل هاربور الأميركي.
والأميركيون استخدموا القنبلة الذرية لإبادة مدينتين بأكملهما في اليابان واستخدموا القصف السجادي ضد مدن ألمانية أشهرها مدينة دريسدن التاريخية، ومع ذلك لم تجر أسطرة الفظاعات التي ارتكبها الصرب والإسرائيليون واليابانيون والأميركيون. وحده الإرهاب الإسلامي ( إذا كان هناك ما يمكن أن يسمى كذلك فعلا) صاحب الحظوة، فهو الذي يتم تضخيمه والعزف عليه وترسيخه في وجدان الناس على امتداد المعمورة.
وليت الأسطرة توقفت عند حد من مارس إرهابا بالمفهوم الغربي على نحو ما فعل تنظيم القاعدة في هجمات سبتمبر أو تنظيم أبو مصعب الزرقاوي في العراق من قطع للرؤوس (إن كان هو الجهة التي مارست هذا العمل البشع ) بل امتدت لتشمل التيار الرئيسي من الإسلاميين في عالمنا العربي والإسلامي بحيث لا يكاد يفلت منها حزب أو فصيل. بل جرى ضم القوميين واليساريين إليهم رغم العداوة التاريخية للتيارين الأخيرين مع الإسلام السياسي.
والمثير للدهشة كذلك أن كل ضحايا العنف الإسلامي في السنوات الخمس عشرة السابقة ومنذ بدأ تحويل الإسلام السياسي إلى مسخ فرانكشتاين الجديد لا يزيد على ضحايا أصغر قرية للهنود الحمر أبادها أجداد الأميركيين الحاليين الذين يقدمون أنفسهم للعالم ولنا على أنهم سدنة الحريات وحقوق الإنسان والذين يخوضون حروبا طاحنة ويدفعون المليارات من أجل مواجهة الشر في العالم.
وفي ضوء هذه الأسطرة التي تلوى فيها عنق الحقيقة من أجل خدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية يمكن فهم ما يجري على امتداد الخارطة العربية والإسلامية من العراق إلى السودان ومن فلسطين إلى الصومال، فالأخير يمثل نموذجا فجا للرهاب من الإسلاميين، فليس مخيفا في نظر الغرب.
ولا الجيران أن يتقلب الصوماليون بين جحيم عدد من أمراء الحرب الذين يحظون بمباركة الولايات المتحدة، ويقدمون أنفسهم كعبيد تحت قدم السيد الأميركي، لكن عندما تتقدم قوة لا دخل لها بتجار الحروب ولا شأن لها بنزواتهم وتحاول فرض الأمن في بلد تتواصل نكباته منذ 15 عاما يستدعي الغرب من الذاكرة كائن فرانكشتاين الشرير.
ويحاول دفع المحيطين للتدخل وقمع المارد قبل أن يخرج من القمقم. أليس ما يجري استخفافا بكل صاحب عقل على الأرض العربية؟ لا أظنه إلا كذلك.. فالمحاكم الشرعية في الصومال وحماس في فلسطين والمقاومون في العراق يمكن أن يتحولوا إلى قوة خيرة في غمضة عين.. هذا إذا وضعوا أنفسهم في خدمة واشنطن، وتحولوا إلى قوة مستعربين (أميركية هذه المرة).
magdishendi@hotmail.com