بين الفقر والغنى مسافة كبيرة، وبينهما مظاهر أكثر منها مصاعب، بينهما فلسفة وتربية أكثر منها صور وتمنيات، واستعداد نفسي أكثر منه أموال تأتي بالحظ أو بالصدفة.. فليس صعباً أن تصير غنياً بعد فقر، الصعوبة أن تتأقلم وتتقبل فلسفة الغنى وحياة الأغنياء، الأصعب أن يكون لك مزاجهم، وأن تقتنع بمظاهر حياتهم وردات فعلهم، ليست المسألة أن فلسفتهم صح أم خطأ، المسألة أن تقدر عليها أم لا؟

يقول (....) من ولد وعاش بسيطاً فقيراً، يصعب عليه بعد طول رفقة مع الفقر أن يغير لون جلده وأغشية دماغه، صعب جداً أن يغير بوصلة مزاجه، واتجاه الريح الجامح في قلبه، صعب عليك أن تنام على جفاف وأن تصحو على برود ولا أحد حولك سوى صدى صوتك، وبعض المجاملين الذين يرون أن أكبر متع الحياة هي تمرير الوقت داخل أي ثقوب أو بأية طريقة!!

هذا الكلام قاله لي شخص ورث الملايين من حيث لم يتوقع، فانقلبت حياته وتبدلت ظروفه، فمن منزل بالإيجار يعصر قلبه وأيامه، ويقلب جيوبه وجهاً لظهر كذا مرة ليوفر مبلغه، إلى قصر كبير لكثرة غرفه ومرافقه، لا يدري فيم تستخدم وما حاجته إليها.

ومن عمل شاق يضبط له ثلاث ساعات منبه كي يصحو فجراً حتى لا تفوته فرصة التوقيع في سجل الحضور، إلى مليونير يرتدي البذخ والفراغ، كل المطلوب منه أن يوقع على بعض الأوراق وهو يحتسي الشاي بالحليب في حديقة القصر.

ويوقع على شيك بالمبلغ الذي يحتاجه كي يأتي له السائق بالمبلغ المطلوب... «لقد تحولت كما يقول (...) من رجل بسيط جداً، طيب جداً، محبط جداً، وتعبان جداً جداً، إلى رجل ليس عليه ان يتعب من أي شيء، ولا ان يعاني من أي شيء، ولا يحتاج إلى أي شيء.. فكل شيء متوفر مثل الهواء والتراب!!

ووجد (...) نفسه محاطاً بأشخاص كل مهمتهم في الحياة ان يخدموه ويرضوه ويجعلوا حياته أبسط من سير الماء على الأرض المنبسطة، أشخاص كأنهم يتحركون بالريموت كنترول، لا يغضبون ولا يغضبونه، لا يصرخون، لا يجادلون، ولا رأي لهم، ولا أية ردة فعل سوى ردات الفعل التي يرضى عنها وترضيه.. بمعنى آخر وجد نفسه لا يفعل شيئاً تماماً، إنسان لا لزوم له في الحياة، لا يغضب، لا يعمل، لا يجوع، لا يحرم من شيء، لا يطالب بشيء، لا يتمنى شيئا ولا يحلم بأي شيء..

وجد نفسه معطلاً ومستقيلاً من بشريته ومن فعل الحياة في أبسط معانيها وصورها التي تربى عليها وعرفها يوم كان بسيطاً وفقيراً!! وحين وجد نفسه هكذا يموت ببطء وبشكل مريب ونظيف وهادئ، وفي قصر يحسده عليه الناس لم يستطع احتمال الموت صمتاً فهرب!!

هرب تاركاً ورقه كتب عليها: كان صعباً علي ان أغير فصيلة دمي ولون جلدي واتجاهات الريح في قلبي، كان كل شيء مرتباً وهادئاً وصامتاً، وأنا معتاد على الضجيج وصوت الحياة وصراعات الأصدقاء وإلحاح الجوع ولذة النوم بعد التعب وتذوق الأمل كل لحظة والحلم كل ليلة..

صارت روحي كئيبة في هذا المنزل ودمي ثقيلاً وجسدي كآلة لم تعمل منذ زمن طويل.. أنا ابن الحياة بكل تناقضاتها وابن بشريتي وإنسانيتي ومشاعري، ولا أستطيع أن أكون ابن الصمت والقصر البارد... مع أنني حاولت»!

sultan@dmi.gov.ae