القطبان الرئيسان لعالم إنرون ـ كين لاي وجيفري سكيلنغ ـ سمعا صوت العدالة أخيرا. فبعد تحقيق دام أربع سنوات ومحاكمة استمرت أربعة أشهر أدانتهما هيئة محلفين مؤلفة من ثماني نساء وأربعة رجال بجريمة التآمر والاحتيال والتعاملات غير الشرعية في انهيار إنرون.

وها هما الرئيسان التنفيذيان اللذان حكما إمبراطورية أعمال بأكملها يواجهان زنزانة السجن.وتمحور جدل الدفاع عنهما ـ الذي كلف حوالي 70 مليون دولار وضم عدداً من ألمع المحامين في أميركا- حول محاولة إثبات أن انهيار إنرون لم يكن خطأهما.

وادعى لأي وسكيلنغ الجهل فيما يتعلق بالاحتيال في سجلات المحاسبة والتضليل في التقارير الرسمية. هذان الرئيسان التنفيذيان اللذان كانا منخرطين بشكل عملي في كل شؤون الإدارة وصنع القرار زعما أنهما لم يكونا على علم بأن صفقات بمليارات الدولارات في طريقها للإخفاق وأن الشركة كانت في وضع حرج.

وزعما أنهما لم يقوما ببيع أسهمهما بالشركة سراً بينما استمرا في تضليل المستثمرين وحتى موظفيهما أيضاً. وادعيا أن انهيار إنرون كان بسبب 11 سبتمبر وصحافة أعمال ضارية ومستثمرين فزعين. وقالا: لم نفعل شيئاً مختلفاً عما يجري بشكل روتيني في دنيا الأعمال الحديثة.

وفي هذا الادعاء الأخير، كانا على صواب دون شك. فالتلاعب بسجلات المحاسبة وتضخيم قيمة الأسهم وتسييل امتيازات امتلاك الأسهم ونهب الشركات.. كلها أصبحت ممارسات روتينية في حقبة الجرائم المالية اليوم. ولقد قامت مئات من الشركات الكبرى الأميركية من قائمة «فورتشن 500» بإعادة صياغة قوائمها المالية لإلغاء الأرباح الزائفة.

حتى أن الوحدة القانونية التي أنشأتها وزارة العدل خصيصاً لمتابعة جرائم الشركات الكبرى توصلت إلى أكثر من 1000 حالة إدانة. ولم يكن الأمر مجرد بضع «تفاحات فاسدة» كما أشار الرئيس. بل كانت موجة جرائم واسعة النطاق إلى حد مثير في الأروقة التنفيذية.

وهذه ليست جرائم بلا ضحايا. فلقد التقيت بعمال من إنرون في أعقاب انهيار الشركة، وأخذنا وفداً منهم إلى واشنطن بالحافلة للمطالبة بمحاسبة المسؤولين. وكان العديد منهم قد وثق في لاي وخسر بسبب ذلك مدخرات عمره. وفقط العمال القلائل الذين لديهم اتحادات تمثلهم وجدوا معاشات تقاعد تحميهم من الانهيار.

والبقية كانت لديهم خطط تقاعد فردية مثقلة بأسهم إنرون ـ وعندما انهارت إنرون كان العديد منهم لا يزال متمسكاً بالأسهم لأسباب لها علاقة بضرائب أرباح رأس المال. ولم يكن الكثير منهم قد فكر كثيراً بالاتحادات العمالية إلى أن هب اتحاد النقابات العمالية «إيه إف إل- سي آي أو» للدفاع عنهم.

وهذا ما يجعل تثبيت الإدانة في قضية إنرون شديد التأثير إلى هذا الحد. وكان أعضاء هيئة المحلفين مواطنين أميركيين من الطبقة الوسطى ـ مدير مدرسة ابتدائية ومعلم مدرسة وسيدة أعمال صغيرة ومدير موارد بشرية ومدير ملفات قانوني ومدير جدول رواتب. وعقد هؤلاء جلساتهم على مدار 65 يوماً في محاكمة غاية في التعقيد، اشترك فيها أفضل المحامين في أميركا.

وكان هؤلاء المحامون بارعين فعلاً. حتى أن أحد أعضاء هيئة المحلفين قال «لو كنت في مشكلة لاخترت محامي الدفاع دانييل بتروسيلي للدفاع عني».

لكن هذا كله لم يغير شيئاً. فهيئة المحلفين هذه طبقت منطق البديهة واللياقة العامة على أفعال لاي وسكيلينغ.

وتساءل فريدي ديلغادو مدير المدرسة الابتدائية كيف يمكنهما أن يقولا انهما لم يكونا على علم؟ فالآباء يعتبرونه هو شخصياً مسؤولاً عن صحة وسلامة الأولاد في المدرسة.

لا أستطيع أن أقول لا أدري ماذا كان يفعل المعلمون في الصف. وإذا فُقد طفل فأنا المسؤول في النهاية. ولهذا أرى أن القول بأنك لم تكن على علم بما يجري في شركتك لم يكن الشيء الصحيح.

ليس الشيء الصحيح. بالضبط. أقرّ أعضاء هيئة المحلفين بالتبرعات الخيرية التي قدمها لاي وبكرمه الاجتماعي. لكنهم كانوا ساخطين جداً على ما فعله عندما باع أسهمه بينما أخبر موظفيه أن الشركة في حالة ممتازة. وقال دونالد مارتن وهو مهندس كهربائي: «برأيي كان ذلك تصرفاً مشيناً، ويدل على شخصيته. لقد باع أسهمه قبل الموظفين».

وتحدثت عضو هيئة المحلفين كارولين كوتشيرا التي تعمل كمديرة جداول مرتبات عن المسؤولية قائلة: «نحن الذين نعمل بدوام كامل نقوم بأعمالنا حتى في الليل بعد رجوعنا إلى المنزل ونحن منهكون. لقد كنا دائماً مسؤولين ومستعدين للمساءلة. وأعتقد أن هؤلاء الموظفين في إنرون من حقهم الحصول على الشيء نفسه».

لقد حصل لاي وسكيلينغ على أفضل دفاع يمكن ضمانه بالمال. وكانت لديهما كل الأعذار والتنظيرات المنطقية والمراوغات التي تستغل لتحصين أصحاب النفوذ ضد المساءلة.

كان لديهما محامون يحظون بإعجاب وتقدير المحلفين. لكن كانت لديهما مشكلتان أساسيتان: أنهما خانا الثقة التي وضعها الموظفون والمستثمرون فيهما. وأنهما تحديا إحساس المحلفين باللياقة والمسؤولية.

هؤلاء الأميركيون يستيقظون كل صباح ويقومون بعملهم وهم مسؤولون أمام أرباب عملهم وأسرهم ومجتمعاتهم. وربما لم يفهموا كل التعاملات المالية الخيالية للشركات الكبرى. لكن لديهم حدس ومنطق بديهي جيد للتمييز بين الصواب والخطأ. ولقد عرفوا ما الشيء الذي لم يكن صحيحاً. فليباركهم الله.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل: «البيان»