في كل بيئات العمل، حيثما كانت، وأياً كان مستواها وتصنيفها، في الشركات، في المؤسسات، في الوزارات، المكاتب، الدوائر الصغيرة أو الكبيرة، الخاصة أو الحكومية، فطالما كان هنالك مديرون ومرؤوسون، وطالما كان هناك عمل وإبداع وتميز، وتقييم وجوائز ومكافآت وحوافز وترقيات.
وقبل ذلك وأهم منه، طالما كان هناك مراكز ونفوذ وكراسي وثيرة، وأموال ومصالح، فلابد أن تطفو على سطح تلك البيئات سلوكيات إدارية يتبعها البعض ويعاني منها البعض الآخر، يلجأ إليها البعض ليحموا أنفسهم ومراكزهم وهيبتهم، ويتضرر منها آخرون لا ذنب لهم سوى تميزهم.
السلوكيات الإدارية المركبة والغامضة والخاطئة في الوقت نفسه موجودة في كل بيئات العمل في العالم، ما يفرق بين مكان وآخر، بين استمرار الخطأ ومعاقبته والضرب على أيدي مرتكبيه، هو منظومة القوانين ومدى فاعليتها والعمل بها ما عدا ذلك.
فإن الكذب والنفاق والتكتل واستغلال النفوذ وتسخير المناصب لمصالح البعض والتخلص من المعارضين والمنتقدين موجود في كل مكان، عندنا وفي الولايات المتحدة، في اليابان كما في البرازيل وفرنسا والجزائر وجزر القمر.
نلاحظ مثلاً في إحدى المؤسسات ظهور نجم موظف معين مجتهد وذي إمكانات ومواهب إبداعية، يظهر هذا الموظف حماساً واندفاعاً للعمل، كما يظهر تميزا واضحاً عن بقية زملائه، فيلفت إليه الأنظار (أنظار الإعلام أو كبار المسؤولين مثلا) ما يستدعي إحاطته بشيء من الاهتمام والرعاية من قبل مديره في العمل ومسؤوليه المباشرين.
ولكن ذلك يحدث بمشاعر متناقضة جداً، فمديروه يظهرون رعايتهم له تجنبا لأي تعليقات من هنا أو هناك وتماشيا مع التوجه العام بشأن رعاية المبدعين والمتميزين، لكنهم في الوقت نفسه يضعون خطة خفية لضرب هذا المبدع وقتله دون ان توجه إليه تهمة القتل العمد!! لكن لماذا يفعلون ذلك؟!
باختصار شديد لأن بقاءه في المؤسسة وإعطاءه فرصاً أكثر للتميز والظهور والترقي يشكل من وجهة نظرهم بداية النهاية لوجودهم ونفوذهم وبقائهم إلى الأبد في كراسيهم، إنه التهديد المباشر القادم إليهم، ومن الغباء ترك التيار يكبر ليتحول إلى إعصار.
وبذلك تتفاعل تحت جلد المؤسسة حرب خفية يستشعرها الجميع لكنهم لا يتحدثون عنها خوفاً أو إيثارا للسلامة، وفي النهاية وحده المتميز من يدفع الثمن لأن أدوات المديرين ووسائلهم في إنهاء المعركة لصالحهم كثيرة وقوية فنفوذهم كبير ومتشعب في المؤسسة وخارجها!!
لذلك لا استغرب حينما يتصل بي أحد الموظفين شاكياً أو قاصا حكايته مع مديره الذي يكرمه في حفل تكريمي ويصنفه أمام الجميع باعتباره أحد أفضل موظفي الدائرة، لكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن منحه تقديرا أو تقييما متدنيا في تقرير الكفاءة السنوي يتناقض تماماً مع التكريم والمديح الذي أسبغ عليه لاحقا!!
انها الكراسي أيها الموظف، فهذا التقييم السلبي الذي منحه هذا المدير لموظفه المتميز هو شكل من أشكال الدفاع عن النفس، وأداة أخرى من أدوات الحرب الباردة التي يشنها ضده، هو انعكاس لشعوره النفسي تجاه الموظف الذي يستشعر منه الخطر ولذلك يحاول الحد من خطورته بوسائله الخاصة ومنها التقرير السنوي الذي يتوقف عليه ترقية هذا الموظف أو لا.
هذا لا يعني ان كل مدير بهذه النوعية، لكن هذه النوعية موجودة، ويساعدها على البقاء خلل القوانين وصلاحيات المديرين المطلقة ومبادئ المحاسبة والشفافية التي يمكنها ان تحد من غلوهم وتماديهم وذاتيتهم في التقييم.