ربما يكون من المنطقي جدا السكوت أخيرا على جميع الممارسات اللاإنسانية التي تخصصت فيها (إسرائيل) ضد الشعب الفلسطيني.
وكنا منذ عهود طويلة نتغنى بـ (وطني حبيبي الوطن الأكبر.. يوم ورا يوم أمجاده بتكبر) ونندد بممارسات الشعب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والتي تفتقد إلى أبسط أبجديات الأخلاق الإنسانية المتعارف عليها منذ زمن آدم.
أما اليوم فنحن نشعر بالخجل من الحديث عن تلك الممارسات وعمن يقوم بها.... ونفضل الصمت والانطواء على أنفسنا... للأسباب التي نعلمها جميعا.
الكل قرأ تاريخ اليهود على مر الزمان وهم يجوبون الأرض شرقا وغربا بحثا عن مكان يؤويهم، وهم يطردون من بلد إلى بلد حتى استقر بهم المقام في الأرض الوحيدة التي ضعفت شوكتها ونام أهلها فبنوا عليها مجتمعين بيد واحدة حصون أقوى دولة عسكرية حديثة عرفها تاريخ الشرق الأوسط، بعد أن قاموا بطرد أهلها الأصليين خارجها وتهجيرهم وتركهم هم وأسرهم وأطفالهم وشيوخهم ونسائهم ينامون في العراء في الصيف والشتاء بينما العرب جلسوا يندبون حظهم في الأندلس.
واعترف العالم بدولة إسرائيل في أقل من 24 ساعة، لأنهم أثبتوا أنهم الأقوى. ولم يعترف بأصحاب تلك الأرض. ولا بحقوقهم في البقاء. ولا حتى في العودة إلى وطنهم الذي طردوا منه. لأنهم أثبتوا أنهم الأضعف. وهذا الأمر انقضى عليه ما يقارب من 58 سنة.
ولم يجد الفلسطينيون المظلومون أمام تكرار هزائم العرب(التي غيرت اللفظة حياءً إلى نكسة) أمام الدولة العبرية الحديثة، لم يجدوا سوى أن يفكروا في إقامة جبهة وطنية واحدة لا حول لها ولا قوة أمام (إسرائيل) العظمى. ولكن المعادلة كانت صعبة وخطيرة وغير منصفة. فإذا هم يلقى بهم خلف المحيط، وتم تمزيقهم شر ممزق.
وإذا بهم يتوزعون في أرجاء الأرض بين الأردن ولبنان وسوريا والعراق والكويت ومصر وليبيا واليمن والسودان وتونس ودول عربية وغربية عدة. بل أن بعض الدول العربية حتى ولسبب أو لآخر شرعت في مطاردتهم على أرضها التي استقبلتهم عليها وقضت عليهم أو قامت بتحجيمهم.
أما الذين عاشوا في الشتات وأمام يأس استحالة العودة مرة أخرى لأراضيهم المسلوبة وممتلكاتهم المصادرة، قبلوا بمرور الوقت بالأمر الواقع وأنجبوا وعاشوا وتجنسوا في غربتهم حتى لم تعد تربطهم بأرضهم الأم غير صفة (فلسطيني). أما أطفالهم فلا يعرفون شيئا عن وطن آبائهم غير ما قرأوه في كتب التاريخ المدرسي.
ومع ذلك، ظلت هناك فئة أبت أن تغادر تلك الأرض ورهنت نفسها أمام تحدي القوة العظمى بآلياتها وقنابلها النووية، وحيدة لا تملك من السلاح سوى الحجر والسكين وبعض صواريخ القسام البدائية الصنع والتي لم نسمع بعد أنها قتلت صهيونيا واحدا حتى الآن! والكل يعلم بأن المقاومة هي حق وطني مشروع دينيا ودوليا.
والكل يعرف بأنه حتى الأعداء المتقاتلة والمتحاربة والمختلفة دينا وملة تتفق عندما تواجه عدوا مشتركا. إلا أن ما عجز عن فهمه العقل البشري والعقل الالكتروني هو ما يحدث هذه الأيام بين الفلسطينيين أنفسهم: بين حماس من جهة وفتح من جهة أخرى!
وكنا نتوقع أن يقوم الشعب الفلسطيني هناك على خط النار بالوقوف صفا واحد ثابتا لا يتزعزع رغم الاختلافات الهامشية بينهما وفرض إرادتهم على المجتمع الدولي أمام الحصار الأخير الذي يضاف إلى مآسي الفلسطينيين منذ 1948، أمام استهانة الدولة العبرية بوجودهم وحقوقهم..
وإذا بنا نفاجأ بين ليلة وضحاها بأن المواجهة نقلوها بين أنفسهم! بل وفي الوقت ذاته الذي تنحر فيه قوات الدولة العبرية الفلسطينيين نحرا على بعد أمتار منهم!
ليس أمامنا إلا الصمت أمام شماتة العالم واستهزائه بالعرب والمسلمين مجتمعين. إن تناحر الفلسطينيين فيما بينهم يكاد يوصلنا إلى مرحلة اليأس من الوثوق بأنفسنا..
ومن شعاراتنا ومن أخوتنا ومن أقرب الناس إلينا.. ترى كيف سندافع بعد اليوم عن روح الفلسطيني الذي تذبحه إسرائيل؟ وبأي وجه سنذهب نطالب بتحرير الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية؟ وكيف سنقنع العالم بأن محمد الدرة قد قتل ظلما؟ وكيف سنفهمهم بعد اليوم بأن الجدار العازل غير شرعي؟
وأن سجون إسرائيل مليئة بالأبرياء؟ ألم تصبح السجون الإسرائيلية أكثر المناطق أمنا في فلسطين؟ ألا يثبت ذلك للعالم كله بأن إسرائيل لديها أخيرا حق شرعي مطلق في محاربة الفلسطينيين العرب والمسلمين منهم وتصفيتهم وقتلهم وتشريدهم وتجويعهم وتسميمهم؟
وبأن الفلسطينيين (وبالتالي جميع العرب والمسلمين) شعوب تحب القتل وتشتهي الدماء ولا يمكن إقامة أي نوع من السلام معها؟ ناهيك عن الفضائح المالية الأخرى التي سبقت انتخاب حماس؟
إن الأمر أكبر من أن يكتب عنه وحوله. وأعظم من أن يناقش في مقالة. إننا جميعا وقعنا في ورطة لا مخرج منها. ففضائحنا تمتد إلى كل الجهات. وبتنا لا نعرف كيف نقابل الغرباء. كان الفلسطينيون خاصة بعد فوز حماس القلعة الوحيدة الصامدة للدفاع عن كرامتنا وتاريخنا. وإذا بأصحابها يعملون فيها معاولهم....
ويقتلون أنفسهم على نمط عصبية زمن الجاهلية، بينما هم في أمس الحاجة إلى كل رجل وطفل وامرأة فلسطينية في هذا الزمن الصعب الذي تخلى فيه عنهم حتى أقرب المقربين من العرب والمسلمين.
يحق بعد اليوم لكل إسرائيلي وصهيوني وعبري وأميركي وبريطاني الاستهزاء بنا والضحك علينا بل وقتلنا والتحكم في مصيرنا ومستقبلنا.
صحيح أن (الشعب الإسرائيلي) عدو لنا حتى الموت، ولكن علينا الاعتراف أنه رغم أنانيته وماديته ووقاحته لم يتخل مطلقا عن تمسكه بمبادئه التي تربط بينه وبين بني جنسه وديانته حيث كان. وأنه رغم حصار أكثر من 22 دولة تحيط به من كل صوب وجهة، استطاع أن ينتصر عليهم بجرة قلم. واستطاع أن يبني دولته في الوقت الذي يهدم فيها الفلسطينيون دولتهم الصغيرة.
وأن يعمر أرضه في الوقت الذي يهدم الفلسطيني ما بناه. ويحكم صفوفه رغم اختلافاته وخلافاته بينما الفلسطينيون وصلوا إلى قتل أنفسهم بيديهم رغم اتفاقهم.
إنهم عدونا منذ أن كانوا إلى يوم القيامة، ولكن يجب أن نعترف بنجاحهم وبإخفاقنا، وتفوقهم وتراجعنا، وذكائهم ومحاولتنا للتغابي.
إن أقرب الشعوب حدودا مع إسرائيل هم الفلسطينيون... وأكثرهم تعرضا للخطر هم أيضا.. فهل يلام العرب على تقاعسهم؟ وهل يلام الغرب على دعم إسرائيل ضدهم؟ على الفلسطينيين أن يتعلموا من جارهم العدو اللدود كيف ينظم نفسه ويحقن دمه ويلم شمله... وعلى العرب من جانبهم أن يفهموا أيضا من التجربة الإسرائيلية الكثير قبل فوات الأوان.
وعلينا جميعا ألا نتهم إسرائيل بعد اليوم بالاعتداءات والوحشية وكره العرب.
فنحن نكره أنفسنا أكثر منهم.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com