من أكثر القضايا المثارة على الساحة العربية عموما وتعميما وربما عدم منطقية قضية «حقوق المرأة» في مجتمعاتنا العربية، هذه القضية التي لاحظنا ترويجا هائلا لها على شاشات فضائياتنا الساخنة التي تستضيف سيدات لا يقلون غموضا في رأينا عن القضية نفسها، ويطلقون على أنفسهن لقب «ناشطة في حقوق المرأة».
والحقيقة أنهن معدودات على أصابع اليد ومعروفات بتاريخهن السياسي وانتماءاتهن الحزبية، فكلهن ينتمين للأحزاب اليسارية والماركسية أو «التي كانت ماركسية»، وبعضهن، وربما كلهن ممن أدخلن السجون في قضايا سياسية وممارسات وأنشطة حزبية لا تمت بصلة لحقوق المرأة، خاصة إذا علمن أن الكثير من الماركسيين.
أو الذين كانوا ماركسيين، كانوا لا يؤمنون على الإطلاق بمقولات مثل «حقوق الإنسان» و«حقوق المرأة» و«حرية الرأي» و«الإصلاح الديمقراطي» وما شابه ذلك من المصطلحات التي كان الماركسيون يعتبرونها مفردات رأسمالية وإمبريالية تستخدم من قبل الدول الرأسمالية لانتقاد المجتمعات الاشتراكية والشيوعية.
ولكن بقدرة قادر انقلب معظم الماركسيين العرب إلى ليبراليين ودعاة لكل هذه الدعوات والشعارات بعد أن أطلقتها واشنطن زعيمة المعسكر الرأسمالي وقاهرة الشيوعية العالمية ضمن حملتها على الإرهاب وضمن برامجها الإصلاحية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية.
هؤلاءالنسوة من الناشطات في حقوق المرأة نجدهن يقطعن ألسنتهن على شاشات الفضائيات مصورين المرأة العربية وكأنها أكثر نساء العالم تخلفا وجهلا وأقلهن في الحقوق والتعليم والوعي والمعرفة، ويرددن كلهن المقولة الشهيرة بأن «المجتمعات العربية مجتمعات ذكورة»، ثم يصببن جام غضبهن على الأنظمة العربية الحاكمة متهماتها بقمع حرية المرأة واغتصاب حقوقها0
وإذا سألتهن: ما هي هذه الحريات والحقوق المغتصبة من المرأة، يدخلن بك في متاهات من المصطلحات والمفردات الغريبة كل الغرابة عن واقع وطبيعة حياة المرأة العربية التي نعرفها نحن ونراها في بيوتنا وفي أماكن تعليمنا وعملنا وفي شوارعنا، وكأنهن يتحدثن عن نساء من مجتمعات أخرى تماما.
ورغم كل ما يقولونه «الستات الناشطات» وأمثالهن من الليبراليين والليبراليات الجدد فإن المرأة العربية ليست في الوضع السيئ الذي يصورونه لا في أكبر البلدان العربية وأقدمها ولا في أصغرها وأحدثها، والمرأة العربية التي نعرفها ونعيش معها في بيوتنا وأماكن عملنا لا تفكر إطلاقا في ما يدعينه من قضايا مثل حرية الرأي والديمقراطية0
ولا تشعر المرأة العربية أنها منتقصة الحقوق عن الرجل كما يدعين، والشواهد أمامنا جميعا من المحيط إلى الخليج، حيث المرأة تعمل بجانب الرجل في كل مكان وتنافسه في أماكن عديدة، وتتفوق عليه أيضا في الكثير من الأماكن، وعندنا في جامعاتنا العربية عدد الأكاديميات من الأساتذة يكاد يقترب من عدد الرجال الأكاديميين.
وأعداد الطالبات في بعض الجامعات يزيد عن أعداد الطلبة وخاصة في دول الخليج العربي التي عرفت التعليم العالي حديثا، والمرأة العربية تشغل حيزا كبيرا في البرلمانات والمجالس النيابية العربية، ونجدها في السلك الدبلوماسي العربي منذ سنوات طويلة مضت، ومعظم الوزارات العربية لا تخلو من النساء، ورغم طبيعة المجتمعات العربية الإسلامية فقد بدأت المرأة تغزو القضاء وتعمل في أجهزة الأمن وحتى في الجيش، ويزيد عدد الطبيبات عن الأطباء في العديد من المدن العربية.
وهناك العالمات والخبيرات في مراكز الأبحاث العلمية، ويكفينا أن نعرف أن المركز القومي للبحوث في القاهرة، وهو أكبر وأقدم مركز بحوث في المنطقة يتساوى فيه عدد السيدات مع الرجال من العلماء، وتفوقت المرأة على الرجل في العديد من أجهزة ووسائل الإعلام العربية.
أيضا غزت المرأة العربية قطاع الأعمال وأصبحت من سيدات الأعمال المعروفات في العالم، وانتشرت في البلدان العربية جمعيات سيدات الأعمال، وفي المملكة العربية السعودية التي تتعرض لحملة شرسة في هذا المجال نجد المرأة ترأس كبرى البنوك والشركات الخاصة وتشارك في المنظمات والمؤتمرات العالمية.
كل هذا وغيره الكثير لم تنله المرأة العربية عن طريق كفاح ونضال منظمات حقوق الإنسان ولا نضال الستات الناشطات الليبراليات الجدد، بل نالته لأنه متاح لها مثلما هو متاح للرجل تماما، ولا يوجد في مجتمعاتنا العربية قانون يحرم على المرأة عمل ويمنحه للرجل إلا ما تفرضه الطبيعة الفسيولوجية للجنسين.
لا ندرى ماذا تريد الستات الناشطات من المرأة العربية، إلا إذا كن ينادين بحق المرأة العربية في ترك أسرتها وعملها من أجل شعارات النضال السياسي التي يتشدقن بها حتى تتعرض للاعتقال والرمي خلف القضبان وتصبح مناضلة مثلهن تناضل من أجل شعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع.
elmoghazy@hotmail