مع انطلاق مباريات كأس العالم لكرة القدم، توقف الاهتمام بالأحداث السياسية وأصبح حديث معظم الناس حول هذه اللعبة المستديرة.
والراهن ان ما تحتله الكرة في وجدان وعقول الناس جعل منها حدثا يتخطى السياسة إلى آفاق وموضوعات أرحب وأكثر شمولا، فإذا استبعدنا ان اهتمام الناس خاصة الطبقة العاملة الانجليزية بكرة القدم كان السبب الرئيسي لإبداع احد احدث مناهج دراسة المجتمع .
وهو منهج الدراسات الثقافية الذي يدرس المجتمع من خلال ثقافته الشعبية، فان الكرة في الوقت الراهن تعد مؤشرا على ظواهر تتعدى السياسة والاقتصاد والرياضة مثل ظاهرة العولمة التي تتجسد في كرة القدم أكثر مما تتجسد في انتشار القنوات الفضائية وشبكة الانترنت.
وغيرها من المظاهر التي تجسد هذه الظاهرة الكونية الجديدة ففريق كرة قدم مثل تشلسي يملكه رأسمالي روسي ويتولى تدريبه مدرب برتغالي، ويلعب فيه لاعبون من كافة قارات العالم،بما يوحى بان الفريق قد أصبح هو منتخب العالم لكرة القدم أكثر من كونه فريقا انجليزيا يلعب في الدرجة الأولى لكرة القدم في انجلترا، وان العالم قد أصبح قرية كونية.
وهو ما سبق ان تنبأ به عالم الاجتماع الكندي الشهير مارشال مكلوهان في ستينات القرن الماضي عندما قال ان التلفزيون سيجعل من العالم قرية صغيرة وقد حدث ذلك ولكن فرق كرة القدم الكبيرة أصبحت تجسد هذه الظاهرة.
وبناء على التعددية التي يتضمنها فريق كرة قدم أوروبي أصبح مشجعوه ينتمون إلى كافة قارات العالم أيضاً وأصبحت انحيازات سكان العالم الثالث تنقسم حسب أهواء الناس في تشجيع فريق كرة قدم دون آخر فمن الممكن ان يختلف سكان مصريون حول أحقية ريال مدريد بكاس أوروبا عن فريق اي سي ميلانو، أو حول أيهما أحق بالفوز في الدوري الإسباني هل هو ريال مدريد ام برشلونة. ونفس الأمر يمكن ان يحدث حول أحقية موناكو أو ليون بالفوز في الدوري الفرنسي.
وهذا الأمر يمثل احدى ايجابيات ظاهرة العولمة وهو ما جعل مؤيدي هذه الحقبة الكونية يلجأون إلى كرة القدم كظاهرة ايجابية من اجل تسويق سلبيات العولمة وهى سلبيات كثيرة بالتأكيد.
وكان هذا الأمر محور اهتمام العديد من مفكري ومنظري العلاقات الدولية حيث ألف باسكال بونيفاس احد كبار منظري العلاقات الدولية الفرنسيين كتابين حول كرة القدم الأول هو (الجغرافيا السياسية لكرة القدم) والآخر هو «كرة القدم والعولمة» وقد صدر منذ فترة قصيرة.
اما فرانكلين فوير وهو متخصص اميركي في العلاقات الدولية أيضا فكتب كتابا بعنوان (كيف تفسر كرة القدم العالم) استند فيه إلى هذة اللعبة الشعبية الأولى ليفسر ظواهر من قبيل الوليجاركية الجديدة، ونمو الحركات القومية الجديدة في اوروبا، والأمل الإسلامي، والحرب الثقافية الأميركية، بل والمسألة اليهودية.
وهذا الكتاب بالذات ظل واحدا من ابرز كتب العلاقات الدولية مبيعا خلال الشهور القليلة الماضية في الولايات المتحدة الأميركية التي لا تعتبر كرة القدم فيها من اللعبات الشعبية مقارنة بكرة السلة والرجبى والبيسبول.
ومن الممكن الاستناد إلى كرة القدم لكي ندرك التقسيم الدولي الجديد للاقتصاد، فمن يتابع الدوري العام في أوروبا، سيكتشف دون عناء ان دول العالم الثالث هي التي تصدر اللاعبين لكي يستهلكوا في العالم المتقدم، فابرز لاعبي الدوري الأوروبي من البرازيل والأرجنتين وافريقيا السوداء جنوب الصحراء.
وهم يلعبون أمام جمهور ابيض جزء منه ينتمي إلى الجماعات النازية الجديدة التي حولت عداءها التقليدي من اليهود إلى القادمين من آسيا خاصة باكستان وبنجلاديش وإفريقيا السوداء والمسلمين القادمين من العالم العربي وتركيا وهو الأمر الذي اوجد تفسيرات وتعريفات جديدة للعنصرية.
في هذا الصدد لابد من الإشارة إلى ان الفريق الذي مثل فرنسا في كاس العالم عندما حصلت على هذا الكأس عام 1998 كان يضم لاعبين من أصول أرمينية وجزائرية وافريقية .
ويضم آخرين من أصول تنتمي إلى جزر المارتينيك وهو الأمر الذي اعتبرة الليبراليون الفرنسيون دليلا على التعددية والاندماج في فرنسا وعلى نجاح تجربتها في دمج المهاجرين وأبنائهم، في الوقت الذي قال القوميون المتطرفون ان الفريق الفائز باسم فرنسا لا يمكن ان يعد ممثلا حقيقيا لفرنسا ذات الهوية الأوروبية.
وعندما تشاهد أي من الاستادات الأوروبية في كرة القدم سوف تدرك من دون عناء كبير ان نمو الظاهرة القومية الجديدة ممثلة في الهوليجانز حليقي الرؤوس الذين على عكس التحليلات السائدة يختلفون في انتماءاتهم الطبقية عن المتطرفين القوميين التقليدين ذلك ان منهم،حسبما رصدت دراسات ميدانية متعددة،من يعملون في الشركات الكبرى المنتجة للتكنولوجيا وآخرون يعملون في المحاماة والهندسة والبورصة.
وهم يلجأون إلى كرة القدم للتعبير عن هوياتهم، على عكس التقليديين الذين يلجأون إلى القومية للتعبير عن احباطاتهم الاجتماعية ومعظمهم من العاطلين عن العمل، وهذا الأمر محل دراسات اجتماعية متعددة في أوروبا ويخضع لتفسيرات شتى لم تحسم حتى الآن.
وحسبما ذكر فوير في كتابه المشار إليه من قبل فان هناك روابط ظاهرة بين عصابات الهوليجانز في شرق أوروبا ومافيات التجارة غير المشروعة وحركات العداء للأجانب وجميعها تتغذى على بعضها البعض ومنها ما يوجد بينه وبين الحكومات روابط غير مرئية استخدمت من قبل في حرب البوسنة ومن الممكن ان تستخدم في المستقبل في حروب أهلية صغيرة او حركات انفصال قومية.
فاذا كان العالم يشاهد كرة القدم الآن لكي يستمتع بهذه الرياضة الرائعة، فهي في نفس الوقت تخفى وراءها العديد من الدلالات والظواهر التي سوف تخضع لدراسات علماء السياسة والاجتماع والاقتصاد، فإذا كان العالم يعيش على كرة أرضية فانه يمكن تفسيره أيضا وفهم العديد من ظواهرة من خلال هذه الساحرة المستديرة الصغيرة أي كرة القدم.
كاتب مصري