سؤال: ما هو الفارق بين المفاوض العربي ونظيره الإيراني في الوقت الراهن؟
جواب: الفارق بينهما كالفارق بين الأرض والسماء، العربي صار يسلم للآخر كل أوراقه أو معظمها، والثاني الإيراني يفاوض حتى الرمق الأخير وعلى كل التفاصيل بحيث يحصل على أفضل عرض متاح.
قد يعترض البعض على هذا التعميم.. لذلك ينبغي المسارعة بالقول إن سبب هذا الفارق ليس في نوعية المفاوضين أو وجود فوارق جينية، بل إن السبب الحقيقي هو أن معظم بلداننا العربية صارت من الضعف لدرجة لا تترك لمفاوضيها في الأزمات الكبرى أي شيء يفاوضون عليه.
الذي يستدعي هذه المقارنة هو الأداء الإيراني المحترم في التفاوض مع الغرب بشأن الملف النووي الإيراني، في مقابل تراجع عربي شبه كامل في كل ما يتعلق بقضايانا منذ مفاوضات الكيلو 101 بين مصر وإسرائيل في أعقاب حرب أكتوبر 1973 وحتى اللحظة الراهنة.
صار معروفاً عن الإيرانيين أنهم يتقنون سياسة التفاوض حتى حافة الهاوية.. يتصلبون ويهددون، بما يجعل الآخرين يعتقدون أن الحرب واقعة لا محالة، وفي النهاية يصلون إلى حل بعد أن يكونوا قد حصلوا على أفضل شروط ممكنة.
الأزمة الراهنة بشأن الملف النووي لم تنته حتى اللحظة، لكن المؤشرات الأخيرة تنبئ بأن صفقة شاملة بين إيران والغرب في طريقها للإنجاز بما يعطي إيران دوراً إقليمياً رئيسياً وحوافز اقتصادية متنوعة تزيد من قوتها الراهنة، قد يحدث العكس وتشتعل الأزمة بالنظر إلى وجود متطرفين ومجانين خصوصاً في الجانب الأميركي الذي ينظر بعض مسؤوليه إلى الأزمة الإيرانية بعيون صهيونية وقحة، تريد تدمير إيران حتى لو كان الثمن هو خراب كل المنطقة.
لكن شكل نهاية الملف ليست شغلنا اليوم، ما يعنينا هو التركيز على كيفية التفاوض الإيراني.
نظرياً إيران على حق مطلق في تخصيب اليورانيوم لاستخدامه سلمياً كما تنص القوانين الدولية، وعملياً فإن الغرب وبعض بلدان المنطقة يعتقدون أن هدف التخصيب هو إنتاج سلاح نووي، وبغض النظر عن النوايا.
وعن هدف إيران من المشروع النووي وهل هو لإرهاب إسرائيل أم الجيران فإن على البلدان العربية دراسة أسلوب التفاوض الإيراني منذ بدء الأزمة، وكيف أن الإيرانيين استطاعوا الصمود في وجه كل التهديدات الأميركية والدولية دون أن يفرطوا فيما يعتقدون أنه حق أصيل لهم.
أحد المسؤولين الإيرانيين قال في تصريحات صحافية الأسبوع الماضي «إننا ورغم كل الحديث عن الحرب والمواجهة ورثة ثقافة البازار».
ثقافة البازار أو السوق والتجارة تعني أولا وأخيراً استبعاد الحرب واستدعاء المفاوضات والحلول الوسط، وهو منطق في الاقتصاد والسياسة، والهدف تحقيق غاياتك بغض النظر عن الوسيلة.
اللغة الإيرانية الموجهة لرجل الشارع البسيط تتحدث عن التحدي والصمود واستنهاض همم الجميع تحسباً لأي مواجهة محتملة، لكن هذه اللغة في الخارج تتحدث عن الحلول بل ووقف تخصيب اليورانيوم إذا اعترف الغرب بحق طهران في تخصيب كمية محدودة منه.
ليست ثقافة البازار هي التي جلبت لإيران هذا الاعتراف الدولي بمكانتها، لكن الذي أدى لقوة الموقف الإيراني في الأساس هو الإرادة الوطنية، وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذا الموقف فلا يمكن للمرء إلا أن يحترم هذه الصلابة الإيرانية والإصرار على الاستقلال الحقيقي وليس الصوري والصمود في وجه كل التهديدات والإغراءات.
في المقابل عربيا فإن المرء عندما يتأمل تجاربنا في التفاوض يصاب بخيبة أمل.. والنموذج الفلسطيني الراهن يسر عدواً فقط.. وصلنا إلى مرحلة أن البعض أفضل له أن يجلس في صف العدو بعد أن كفر بقضيته، مفاوض آخر يتنازل قبل أن يبدأ التفاوض، وثالث يبيع مصالح بلده من أجل حفنة دولارات، والرابع والخامس، والسادس.. وهكذا انتهى حالنا على ما نحن فيه.
متى نتعلم أن نحصل حتى على ثمن تنازلاتنا؟
ومتى ندرك أننا قد نكون الوقود المستعمل في صفقة النووي الإيرانية الغربية المرتقبة؟!