فور إعلان انتحار سعوديين ويمني في معتقل (غوانتانامو) الأسبوع الماضي، صرح الأميرال الأميركي هاري هاريس قائد المعتقل (إنهم ماكرون يتمتعون بالقدرة على الابتكار، إنهم لا يقيمون أي اعتبار للحياة) وقالت نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركية بدورها إن انتحارهم (ليس عملاً ناجماً عن اليأس بل عملا حربيا غير متوازن ضدنا، وخطوة دعائية جيدة لشد الأنظار).
ويتساءل المرء أي صلف وعمى وأية حماقة يتصف بها المسؤولون الأميركيون في تعاملهم مع سجنائهم وأسراهم ومع الآخر الذي لا يسير بركابهم بوجه عام، فهل هناك غير أحمق صلف يقول عن معتقلين منتحرين بأنهم ماكرون حتى في انتحارهم ويتناسى الأسباب التي دفعتهم للتضحية بحياتهم وهم المسلمون المؤمنون الذين يحرم دينهم الانتحار؟
وهل من عاقل يقول ما قالت نائبة مساعد وزير الخارجية بأن انتحارهم ليس بسبب اليأس بل هو عمل حربي وخطوة دعائية، وهل يضحي الإنسان بحياته من أجل خطوة دعائية؟!
إن المسؤولين الأميركيين لايرون رأياً إلا معهم أو ضدهم، أما مشاعر الآخرين وإيمانهم وآراؤهم ومصالحهم ووجهات نظرهم فلتذهب إلى الجحيم إن لم تكن متوافقة مع السياسة الأميركية وفي خدمتها.
لقد سجنت القوات الأميركية عند دخولها أفغانستان من هب ودب ولم توفر أحداً مهما كانت ضآلة الشبهة، ولئلا يطالب السجناء بحقوقهم القانونية نقلتهم إلى قاعدة غوانتانامو العسكرية الأميركية الموجودة في كوبا، والتي لا يعتبرونها أرضاً أميركية يطبق فيها القانون الأميركي ولا أرضاً كوبية يطبق فيها القانون الكوبي ولا أرضاً دولية تخضع للقانون الدولي، فهي أرض بدون هوية استأجرتها الولايات المتحدة من السلطات الكوبية قبل الثورة ولمدة غير محدودة.
ولذلك لا يطال القاعدة أي قانون في العالم ولا يستطيع أي قضاء إلزام سلطات الجيش الأميركي بمحاكمة المعتقلين أو حماية حقوقهم فلا حقوق لهم حسب القانون لأنهم على أرض لا تخضع لقانون، فلا هي دولة و لاجزء من دولة، وإنما قاعدة مستأجرة تخضع لسلطات عسكرية.
مضت على بعض المعتقلين خمس سنوات وعلى البعض الآخر أقل قليلاً وهم يقبعون في سجون القاعدة الأميركية ولم توجه إليهم أية تهمة ولم يقدم أي منهم لأية محاكمة، فلا هم بالأسرى ولا بسجناء الرأي وغير متهمين بشبهة جريمة اللهم باستثناء اعتقاد الإدارة الأميركية بأنهم من تنظيم القاعدة دون أن تستطيع أن تتدبر تهمة واحدة حقيقية توجهها لأي منهم وتؤهلها لمحاكمتهم.
وهكذا ألقتهم في زنزانات منفردة (في ظروف اعتقال غير عادية تمارس خلالها السلطات الأميركية رقابة لصيقة ومستمرة عليهم سواء من خلال المراقبة الفردية أم من خلال آلات المراقبة الأخرى التي تعمل على مدار الساعة) كما صرح وكيل أسر المعتقلين، هذا ناهيك عن وسائل التعذيب (المتحضرة) التي تمارسها سلطات المعتقل .
والتي ابتكرتها آلة القمع الأميركية بما لا مثيل له في العالم، وفي الوقت نفسه مُنع المحامون وأهالي المعتقلين من رؤيتهم وتم عزلهم عن المحيط الخارجي ورُفض طلب توجيه التهم إليهم ومحاكمتهم، وبعد ذلك يرى قائد المعتقل أن في انتحارهم مكراً وترى مسؤولة الخارجية الأميركية أن انتحارهم خطوة دعائية لشد الأنظار.
لامثيل في عالمنا الراهن ولا فيما مضى لحال معتقلي غوانتانامو، ليس فقط من حيث أساليب التعذيب النفسي والجسدي الذي يخضع له المعتقلون، ولا في التملص من كل قانون على وجه الأرض.
بل أيضا في إصرار الإدارة الأميركية على إلقاء معتقلين في أحد معسكراتها والسماح لعسكرييها بأن يمارسوا عليهم ما يحلو لهم من أساليب التعذيب والاستهانة والإهانة وإنكار الحقوق، وان انتحروا تتهمهم سلطات المعتقل وسياسيو الإدارة بأنهم مخادعون وماكرون ودعائيون يقومون بأعمال حربية ضد السادة الأميركيين.
حاول محامون عديدون من مختلف بلدان العالم الانتصار للمعتقلين بما انهم بشر ومعتقلون لهم حقوق ضمنها القانون الدولي (اتفاقية جينيف الرابعة) والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) والعهد الدولي للحقوق المدنية والاجتماعية (1966)، وأخيراً الإعلان الأميركي لحقوق الإنسان (1969) فرفضت الإدارة الأميركية حتى توجيه التهمة إليهم أو إحالتهم لأي محكمة وحسب أي قانون.
ولم تستطع رغم مرور السنين تلفيق تهمة واحدة ضدهم وإلا لحاكمتهم بموجبها، ومع ذلك تشكو من انتحارهم وعملهم العدواني والدعائي جراء هذا الانتحار الذي جرح مشاعر السجانين وحماة حقوق الإنسان في الإدارة الأميركية، فأي استهتار بالعدالة والمنطق والقيم والمعايير الحديثة للدول وحقوق الآخرين وآرائهم؟
وأية صفعة هذه التي يوجهها الأميركيون للعالم كله؟ ومع ذلك تحمل إدارة الرئيس بوش أينما ذهبت وأينما تطأ أقدام جيشها أرض الآخرين وتغزوهم شعارات الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وتتهم من لايعجبها بانتهاكها، وربما تشن عليه الحروب لتعليمه الديموقراطية والعدالة وتدريبه على ممارسة الحرية وحقوق الإنسان.
لا أتناول الأمر من جانب سياسي فذاك شأن آخر أشد تعقيداً وإدانة للإدارة الأميركية، وإنما من جانب إنساني وإجرائي، وأرى أن حقوق الإنسان بنظر الإدارة الأميركية أمر غير محدد المعالم حيث تعطي لنفسها الحق بتوصيفها وتعريفها وممارستها على طريقتها بمعزل عن القانون الدولي ومعطيات الحضارة الحديثة، أما ما يتعلق بالممارسات الإنسانية فيبدو أنه من العبث مطالبة الأميركيين بها، لأنهم لا يرون أي حق للآخر بأن يتعاملوا معه حسبها.
نذكّر الأميركيين أن هؤلاء المعتقلين لم يرتكبوا أي عمل إرهابي وإلا لوجهت إليهم التهمة، وكل ما فعلوه أنهم آمنوا بقضية (سواء كان إيمانهم صحيحاً أم خاطئاً) ودافعوا عنها في معارك صريحة ضد الغزاة الروس أو الأميركيين ولم تتح لهم الفرصة حتى لارتكاب أعمال إرهابية، وإنهم الآن يحاسبون على نياتهم وليس على أفعالهم، ومع ذلك يحسدهم السيد الأميركي على الموت (حتى على الموت لا أخلو من الحسد).
لنتصور فقط أن دولة غير موالية للولايات المتحدة تمارس ما تمارسه هي في غوانتانامو فماذا ستقول الإدارة الأميركية ومؤسساتها واحتكاراتها وإعلامها عن هذه الدولة؟ لاشك عند ذلك ستكون الأم الرؤوم حاملة حقوق الإنسان التي تُجرح مشاعرها نسمة الهواء.
كاتب سوري