من المصطلحات التي يتم تداولها اليوم في مجال التعليم بشكل عام والتعليم الجامعي بشكل خاص، مصطلح «التفكير الناقد»، والذي يقصد به، تعويد الطلبة على استخدام أساليب التفكير المستندة الى التحليل والنقد، والتخلص من أساليب حفظ المعلومات كما هي، دون تحليل أو مساءلة.
الفكرة في حد ذاتها ممتازة، وهذا الأسلوب متبع لدينا من قِبَل بعض من أساتذتنا، لأن القابضين على أسس المعرفة الصحيحة موجودون بيننا وهم مدركون تمام الإدراك أن التعليم الحقيقي إنما يقوم على تعويد الطالب أساليب التحليل والتعامل مع المعلومات، ليس كمسلمات.
وإنما كنشاط ذهني يعتمد بالدرجة على إعمال العقل وتنشيطه وتعوده على الربط بين الأمور المختلفة. كل هذه الأفكار، كما ذكرت، موجودة ومطبقة بيننا، وإن لم يكن على نطاق واسع، لكنها لم تحظ بالترويج الذي تحظى به اليوم.
المختصون والمتعمقون في مجالات التعليم مدركون بشكل كبير أن تقاليد التعلم التي نشأ عليها الكثير من الأساتذة العرب وغيرهم، وبخاصة فيما يسمى بفترات النهضة دحضت أسلوب التمحيص واكتفت بأسلوب التلقين.
وبالرغم من اختلاف وبُعد المرحلة التاريخية التي نشأ فيها هذا النوع من التعليم، إلا أنه مازال هناك الكثير من روادها المتحمسين والمطبقين لها في مجالات تدريسهم في وقتنا الحالي.
من جانب آخر، وبالرغم من سيادة هذا الأسلوب التلقيني، ظهر من هو رافض ومناقض لهذا الأسلوب وداعٍ لاستخدام وتسييد الفكر الناقد وأساليب التحليل في التعلم، والذين هم، بالرغم من قلة عددهم، تركت أعمالهم وآثارهم وأساليب تدريسهم بصمات طيبة على الأجيال التي تعلمت وتتعلم على أيديهم.
وجدير بالذكر هنا أن نؤكد على أن تقاليد المعرفة الحقيقية في الفكر العربي الإسلامي بنيت في الأساس على أساليب الفهم والتحليل ولم تبن على التلقين، فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أمته الى أن «يكونوا دراة ولا يكونوا رواة»، لكننا هنا لسنا بصدد تفنيد هذه المسألة في التراث العربي الإسلامي، إنما أردت أن أتناول هذه المفاهيم ضمن إطار تعاملنا الحالي معها.
ان ما دعاني لتناول هذا الموضوع هو حوار لي مع أحد الأجانب ممن يدعون تطبيقهم لأسلوب الفكر الناقد، من منطلق أنه أسلوب جاءوا به هم فقط، وانه تقليد في التعليم والتعلم لم تعرفه مدارسنا أو مؤسساتنا التعليمية من قبل. وبالرغم من إدعائهم حمل راية التفكير الناقد، إلا أننا نرى أن طريقة تعاملهم معه اليوم، تكاد تفرغه من محتواه.
فالذي يقترب من محتوى الحوار المطروح في الكثير من نقاشات الباحثين الأجانب المدعين تبنيهم لهذا الأسلوب يكتشف أن مبدأ التفكير الناقد «المستخدم لديهم مرتكز بالدرجة الأولى على نقد قيمنا ومفاهيمنا وإرثنا الحضاري والفكري، ليس بشكل تحليلي، وإنما بشكل مبني على رفضه التام والتعامل معه على أنه إرث لا يحتوي على مفاهيم ومبادئ إنسانية قيمة وإنما هو إرث «متخلف» يجب التخلص منه وتبني غيره من الأفكار.
هذا مع العلم أن أكثر هؤلاء المدعين، إن لم نقل جميعهم، لم يدرسوا تاريخنا الحضاري ولا الفكري بالعمق والتحليل المطلوبين حتى يتمكنوا من نقده، إذ لو كانوا قد درسوه بعمق لنقضوا كثيرا من الركائز التي ينطلقون منها في التعامل معه، والمبنية على النظرة التحيزية والاختزالية الغربية والمرتكزة في جوهرها على الإقصاء لكل ما هو مختلف عنها، أو لا يمثلها، وهو أمر متناقض مع أهم ركائز الفكر الناقد الذي يدعون فيه الخبرة.
إن من بين ركائز التفكير الناقد، على سبيل المثال، لا الحصر، رفض التسليم بمبدأ الحتمية في الأمور كلها، ورفضه للتفكير والتحليل ذي البعد الواحد، بالإضافة إلى رفضه المطلق للسيطرة بكل أشكالها، ومنها بالتحديد رفضه لهيمنة التكنوقراطية في المجتمعات كافة، الشرقية والغربية.
ويبدو لنا أن نمط تطبيق هذا النوع من التفكير اليوم في مجتمعنا تحديدا، ومن قبل بعض الأجانب، مرتكز بالدرجة الأولى على الدعوة لما يشكل نقيض هذا الفكر.
فالذي يتخذ من التفكير الناقد، مثلا، أسلوباً ينحى بطبيعة الحال إلى رفض فرض أساليب وأنماط أو لغات بعينها، وإهمال غيرها، حيث ان المتبني لهذا النمط من التفكير يدرك أكثر من غيره أن مثل هذا الفرض تأتي به مراكز القوى المهيمنة على المجتمعات ولا يأتي من منطلق النظر لاحترام كيانات وخيارات الإنسان الثقافية.
مثال على ذلك، يدرك المتبني لمثل هذا الفكر أن فرض التعلم باللغة الإنجليزية في المدارس مثلا، أمر مرتبط بالدرجة الأولى بسياسات الهيمنة الأجنبية ومنطلقات مراكز القوى في العالم، ولا ينطلق بأي حال من الأحوال من مبدأ تعزيز حرية الإنسان واحترام ثقافات البشر المختلفة، وصيانة تنوعها وكرامتها.
الخلاصة، نحن نشهد في عالم اليوم، أكثر من أي وقت مضى، سياسة تفريغ المصطلحات من معانيها الأصلية، وهذه إحدى الصناعات الأميركية بامتياز. فمصطلح مثل «التفكير الناقد» صار يستعمله دعاة الهيمنة الأميركية لتقويض كل أنماط التفكير غير الخاضعة للهيمنة الغربية، ومصطلح مثل «الراديكالية».
والذي ارتبط في الكثير من دول العالم بالحركات الثورية، اليسارية تحديدا، صار يستخدم في الولايات المتحدة للتعبير عن «قصة شعر راديكالية»، أو أي شكل في التصرف البشري الذي يتنافى مع ما هو سائد. ولا ننسى أن حقوق الإنسان أيضا مبدأ أصبح يعني أن هناك بشراً بعينهم يستحقون الحياة والرفاهية والسلام، وآخرين يجب أن يحضنهم الفناء والفقر والتشرد.
أما الديمقراطية فتعني بالدرجة الأولى فرض نمط معين من الحكم على كل البشر، والرافض لهذا النمط يستحق الإبادة. إذاً نحن نعيش زمن إفراغ المفاهيم والمصطلحات من معانيها الحقيقية بامتياز، زمنا تشوه فيه المعرفة بوعي، ويجير فيه العلم لخدمة مصالح دول بعينها.
جامعة الإمارات