كان مقتل أبومصعب الزرقاوي أبرز أحداث الساحة العراقية في الأيام الأخيرة، فقد شغل خبر مقتله وتداعياته اهتمام معظم المتابعين للأحداث السياسية في الشرق الأوسط، وذلك لأهمية ما صنعته السنون الثلاث الماضية من أحداث جسام في العراق كان للزرقاوي دور ساهم الإعلام الأميركي في تضخيمه مما ولد الانطباع لدى الكثير من الناس بأنهم أمام قائد من نوع خاص في صلابته وفي قدرته وإمكاناته على إلحاق الضرر الكبير بأعدائه. ولا ندري إن كان عرض صورته بعد وفاته من قبل القائد العسكري الأميركي، في إطار مذهب، يأتي في سياق تقدير موقعه!.
وإضافة إلى هذا الحدث الهام، فقد صرح الرئيس العراقي جلال الطالباني بأن التوصل إلى اتفاق مع بعض الفصائل المسلحة للدخول في العملية السياسية بات وشيكاً، كما أن هنالك أحداثاً أخرى وشيكة الحدوث تتعلق بخطط عسكرية تزمع القوات الأميركية والعراقية القيام بها تتضمن اجتياح بعض مناطق بغداد واجتياح مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار، في عمليات مشابهة لما جرى في مدينة الفلوجة قبل عامين تقريباً.
كل هذه الأمور تشير إلى دخول الملف الأمني العراقي في طور جديد من التفعيل لغرض وضع حد للعنف المدمر والفلتان الأمني المتفاقم، وهو هدف وزارة المالكي التي تسعى إلى تحقيقه باستخدام القوة واللين معاً، القوة مع من يستبيح الدماء العراقية والحوار مع من لا يرتضي ذلك. وفي ضوء ذلك يتوقع بعض المتفائلين أن مقتل الزرقاوي سيعجل باستقرار الوضع في العراق، ولعل الشهور المقبلة ستعمل على إزالة أي التباسات في هذا الخصوص، فالوضع في العراق معقد للغاية وعدد اللاعبين فيه كثر وأهدافهم متباينة.
وفي الحقيقة فإن الملف الأمني العراقي لا يقل أهمية في البيت الأبيض عن أهميته في دوائر المنطقة الخضراء في بغداد، ففي مقال نشرته الشرق الأوسط في العاشر من يونيو الجاري للكاتب الأميركي توماس فريدمان، اعتبر فيه مقتل الزرقاوي نقطة تحول للعراق وأميركا، وهذا الرأي يبدو لأول وهلة مبالغة تصدر عن هذا الكاتب المعروف، إلا أن المطلع على خفايا السياسة الأميركية يرى واقعية ذلك.
لم يكن للزرقاوي تاريخ معروف قبل أن يصنع له الأميركان هذه الهالة في العراق، فهو لم يبرز في قتال أفغانستان كما برز آخرون، وهو لا يمتلك رصيداً فكرياً أو منهجاً متميزاً يجعله في مصاف القادة والمُنظرين والدُعاة الذين يلتف الأتباع حولهم، بل سعى جاهداً لربط نفسه بتنظيم القاعدة.
وفي الحقيقة لم يكن تعيين بن لادن للزرقاوي أميراً لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين غير تحصيل حاصل، فعلى أرض الواقع فرض الزرقاوي قيادته للجماعات الأصولية رغم أن أهدافه وأساليب عمله لا تنسجم تماماً مع استراتيجية وأساليب تنظيم القاعدة التي تركز على مقاتلة من تسميهم بالصليبيين أي غير المسلمين.
لقد كان سقوطه متوقعاً بعد أن بدأت ساحة نفوذه تتقلص، وفقد تعاطف أبناء عشائر المنطقة الغربية من العراق، فقد اضطر إلى تغيير موقع إقامته منتقلاً من تلك المناطق المطلة على الصحراء ومبتعداً عن الحدود الأردنية باتجاه المنطقة الشرقية من العراق، وبالذات نحو محافظة ديالى التي تضم خليطاً عرقياً من العرب والأكراد وخليطاً مذهبياً من الشيعة والسنة والتي لا يمكن اعتبارها المكان المناسب الذي يوفر غطاءً أمنياً له على الأمد الطويل، فقد قتل في إحدى مدنها الصغيرة غير البعيدة عن الحدود الإيرانية.
ولم يكن هذا التنقل اختيارياً فقد فرضت بعض الأحداث التي وقعت في المنطقة الغربية فك عرى التحالفات بينه وبين جماعات مسلحة أخرى لم تعد تتفق مع الأساليب التي ينتهجها في استهداف العراقيين. وقد كان التفجير الذي استهدف مركزاً للشرطة في مدينة الرمادي في النصف الثاني من عام 2005 والذي راح ضحيته العشرات من أبناء المدينة بمثابة الحدث الفاصل في علاقات الزرقاوي مع هذه الفصائل.
تشير الأخبار التي تسربت عن كيفية مقتله إلى أن العملية كانت نجاحاً استخبارياً بالدرجة الأولى فقد اخترقت الدائرة الضيقة المحيطة به، وسال لعاب أحد المقربين إليه طمعاً في المكافأة الكبيرة المرصودة للقبض عليه أو قتله. فإذا كان ذلك هو واقع الحال، فلِمَ أعد المسرح بالشكل الذي جرت فيه الأحداث، ولِمَ فضل الأميركان الأخذ بخيار القتل وليس الاعتقال؟.
لا شك أن شخصاً تطارده أجهزة المخابرات الأميركية والعراقية ومخابرات دول مجاورة أخرى على مدى سنوات عدة، ورُصد للإتيان برأسه مبلغ ضخم، لا شك أنه ذو قيمة كبيرة وهو حي يرزق، فالمعلومات التي بحوزته عن تنظيم القاعدة في العراق وعن الجهات المحلية والإقليمية التي توفر له وسائل الدعم المختلفة،
وعن الجهات المتحالفة معه وعن خططه تهم كثيراً جميع الأطراف التي تضررت من أنشطة تنظيمه داخل العراق وخارجه، وكان من السهولة بمكان انتزاعها منه في حالة اعتقاله بأساليب الاستنطاق التي تعرفها أجهزة المخابرات الأميركية مما يُسَهِل توجيه ضربة كبيرة لهذا التنظيم، وهذا يجعل التساؤل حول أسباب تفضيل قتلهِ على أسرهِ أكثر إلحاحاً.
كسبت جهات عديدة بمقتل الزرقاوي، إلا أن أبرز المستفيدين هي الحكومة العراقية التي ترى في مقتله ضربة قوية للتيار التكفيري الذي أجج الفتنة المذهبية وسعى لإيصالها إلى نقطة تفتيت العراق، أما المستفيد الآخر فهو الرئيس الأميركي الذي هو أحوج ما يكون في الوقت الحاضر إلى انتصار مُدوٍ يسترجع في ضوئه بعض التأييد الشعبي الذي خسره، خاصة وأن نوفمبر المقبل سيشهد انتخابات الكونغرس.
من المعروف ان الحزب الديمقراطي الأميركي لا يمتلك رصيداً كبيراً يوازي ما يمتلكه الحزب الجمهوري فيما يتعلق بالمحور الأمني، رغم رصيده الكبير في محوري الاقتصاد والخدمات اللذين يهمان الناخب كثيراً، فالأميركي يشعر بالأمن حين يكون الجمهوريون في الحكم.
إلا أن ما يشير إليه فريدمان في مقاله الآنف الذكر هو أن استطلاعات الرأي العام الأميركي الأخيرة قد منحت الديمقراطيين ثقة عالية في المحور الأمني مساوية لما يحظى به الجمهوريون، وهذا في الحقيقة مصدر قلق جدي لقادة الحزب الجمهوري. ولا يعزو فريدمان ذلك إلى طروحات أو خطط أمنية جديدة قدمها الديمقراطيون، بل إلى الأداء المتواضع للإدارة الأميركية الحالية في تعاملها مع الإرهاب في الساحة العراقية.
لقد فاز الرئيس الأميركي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة على قاعدة الملف الأمني الذي أصبح مصدر القلق الرئيسي للناخب الأميركي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، فمقتل الزرقاوي يُوظف في هذا المسار باعتباره عاملاً يُسهم في إضعاف المنظمة الأصولية التي يقودها في العراق ويسهم بالتالي في الحفاظ على حياة الجنود الأميركان هناك، وهو موضوع حساس لدى الشعب الأميركي.
ولكن الذي لا يعرفه الرأي العام الأميركي هو أن الزرقاوي لم يستهدف القوات الأميركية بالدرجة الأولى إلا في حالات قليلة، بل كان يستهدف إحدى المكونات الرئيسية للشعب العراقي سعياً وراء إشعال حرب مذهبية لا تخدم إلا أعداء العراق، وكانت جل هجماته تستهدف تجمعات هؤلاء وتستهدف كذلك العراقيين المنتسبين إلى قوات الجيش أو الشرطة.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae
