يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، ويتابعه على ذلك الدكتور طه حسين: «إذا أردتم أن تصلحوا أمة.. فأصلحوا لها لغتها». وبديهي أن اللغة بهذا المعنى ليست مجرد الألفاظ والحروف ولا هي أيضا مجرد الأصوات والمقاطع والإيقاعات.. تلك هي أدوات اللغة ليس إلا.. لأن اللغة بحكم التعريف هي أول مقومات التكوين القومي لجماعة إنسانية..
وكلما ارتقت لغة الجماعة من حيث ثراء الذخيرة ومن حيث متانة التركيب ومرونة الاشتقاق.. ارتقت معها الجماعة القومية بعد أن يتاح لأفرادها سبل الإبداع ومسالك الابتكار ومراقي الصعود في مضمار الاجتهاد الإنساني، فإذا بالفكرة السانحة المفردة تتحول إلى بناء فكري، وإذا بالمعلومات المتناثرة المشتتة تتحول إلى علوم ومعارف، وإذا بهذا المعمار العقلي يشكل اللبنات الأساسية التي تقوم عليها ثقافة الأمة ويتبلور من خلالها تراثها وتنصهر من ثم سبيكتها الحضارية.
ألا ترى إلى قريش وقد كانت من قبائل العرب إذ صلحت لها لغتها وتبلورت لهجتها.. فكان أن شرّفتها السماء حين نزل القرآن الكريم بهذه اللغة واللهجة.. بعدها تحولت قريش من مستوى القبيلة إلى مراقي الرسالة فكانت بذلك هي المحور الجوهري الذي قامت على أساسه، وعبر قرون من النضال والفتوحات ومن الإبداع والاجتهاد - حضارة باذخة ومدنيّة زاخرة زاهرة كانت أداتها في هذا كله هي اللغة العربية.
ولقد أتى على لغة العرب حين، بل أحيان، من الدهر كانت الدنيا تعدها فيها بمثابة لغة العلم وأداة التواصل بين الانتلجنسيا التي كانت تمثل صفوة الفكر والفلسفة والإبداع في العصر الوسيط وخاصة في ضوء إسهامات الأندلس الإسلامية - العربية في عالم ذلك الزمان الذي كانوا فيه يتعاملون مع اللغة العربية بوصفها اللغة العالمية أو اللغة الشاملة (لنجوا فرانكا) وهي المكانة التي تحتلها اللغة الإنجليزية في الزمان المعاصر.
وفي ضوء حيوية اللغة بالنسبة إلى وجود الأمة وفي صون هذا الوجود القومي من عوامل التآكل أو التحات ناهيك بالتداعي والاضمحلال، نستطيع أن نفهم تركيز مدرسة الفكر القومي الألمانية على عامل اللغة في تكوين الأمة. وفي هذا يقول الفيلسوف الألماني جوهان فختة (1762-1814) وكان ذلك ابان مواجهة الألمان لحملات نابليون.
«الأمة جماعة من الناس تجمعهم لغة واحدة يتكلمونها. ولما كان الوجود القومي يتطلب عنصر الاستمرار فإن هذه اللغة الواحدة هي الكفيلة بنقل تراث الأمة من جيل سابق إلى جيل لاحق ومن ثم فهي تكفل عنصر الاستمرار».لا عجب أن يتأثر المصلح والمفكر العربي المعاصر المرحوم ساطع الحصري بهذا الفكر الألماني وخاصة بطروحات الفيلسوف فختة في مصنفه الشهير الذي حمل العنوان التالي:
«خطاب إلى الأمة الألمانية»
ومن ثم فقد شدد الأستاذ الحصري توفي عام (1969) على أهمية اللغة العربية بوصفها أهم مقومات التكوين القومي للأمة العربية التي يمتد وجودها بين الخليج في شرقي الجزيرة العربية وحتى أقصى المغرب على شواطئ المحيط الأطلسي.ونحسب أن الدعوة إلى توطيد وترسيخ اللسان العربي في هذه المرحلة بالذات لا تنبع عن مجرد ممارسة أكاديمية في أبراج الصفوة العربية، ولا عن مجرد رغبة ماضوية تبغي استعادة تراث الأسلاف وهو تراث مجيد في حد ذاته.
إن تكريس اللغة العربية في حياتنا المعاصرة، دع عنك تجديدها، يعد من أمضى أسلحة الدفاع عن كياننا العربي فلا تكاد الأجيال العربية المعاصرة تملك سلاحا يتفق عليه الإجماع سوى التمسك بلغتها وهي بداهة لغة القرآن، كتاب العربية الأكبر على نحو ما عبرت يوما الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ).
وعندنا أن هذه الضرورة من التمسك بالعربية إنما تنبع من عاملين أساسيين:
أولهما أنها تعلو فوق كل خلافات الساسة والسياسة وأيضا فوق شبهات تحقيق المصالح الذاتية أو الأطماع الفئوية، أو حتى القطرية - الجهوية الضيقة.
ثانيا أنها سلاح لا بد وأن تتحصن به الأجيال العربية الحالية والبازغة في عصر تصادم الحضارات أو صراع الثقافات أو محاولات تسييد لغات وثقافات أخرى على حساب تذويب أو تشويه الطابع القومي لأمة تنطق الغالبية الساحقة من أبنائها بلسان عربي. وذلك على اختلاف العقائد والمذاهب والمشارب واللهجات.
وعندنا أيضا أن قضية اللغة العربية لا تتعلق فقط بمسؤولية المجامع العلمية ولا المؤسسات الأكاديمية ولا بالميديا الإعلامية. لكل من هذه الأطراف دور فاعل ومؤثر ولكن عندنا أيضا أن مؤسسات صنع القرار السياسي، وعلى أرفع مستويات الحكم والمسؤولية، في كل قطر عربي لديها تبعات وتتحمل واجبات إزاء صون وتفعيل استخدام اللغة العربية في نواحي حياتنا.. والعمل على النهوض بها.. وإثراء معجمها بألفاظ الحضارة المستجدة مع القرن الحادي والعشرين وتبسيط وثم تيسير سبل تعلمها وتطويرها جنبا إلى جنب على تعلم اللغات الأجنبية الأخرى.
وإذا كان الحاسوب الإلكتروني قد أصبح في صدارة سبل التعلم والتواصل في اللحظة الكوكبية الراهنة فإننا نتصور أن واجب الخبراء العرب العارفين بثورة الحواسيب الإلكترونية مدعوون إلى مواصلة جهود بناءه ومرموقة بدأوها لكي يتم الزواج الشرعي المبارك بين لغة العرب ومقتضيات الحاسوب ولكي يطل الإنسان العربي، من خلال هذا الفتح الحضاري المشهود على أحدث مستجدات العصر الذي نعيش فيه.
والحق أن أمامنا نماذج إيجابية يمكن أن نتأسى بها وهي مستقاة من أمم وشعوب أخرى لم يمنعها تمسكها بلغتها القومية من أن تمضي فتقطع أشواطا بعيدة في مضمار التقدم العلمي والتطبيق التكنولوجي.. من هذه النماذج الصين التي ما زالت تكرس استخدام اللغة الصينية.. ومنها أيضا دولتا شبه الجزيرة الكورية.
لكن أحدث هذه النماذج هي أميركا بجلالة قدرها ففي 19 مايو الماضي اقترع مجلس الشيوخ الأميركي على مشروع بقانون أصدره بأغلبية 63 صوتا مقابل 34 صوتا ويدعو هذا القانون إلى تأكيد وتكريس الإنجليزية لغة قومية للمواطنين الأميركيين كافة. وكان مجلس النواب في الكونغرس قد سبق إلى إقرار مشروع القانون المتعلق بتكريس الإنجليزية حيث يشدد منطوق المشروع على أهمية الإنجليزية بوصفها «لغة مشتركة واحدة» لسكان البلاد
وذلك في ضوء الغاية التي تستهدف الحفاظ على اللغة والثقافة وعوامل التراث على نحو ما أكده السناتور جيمس أنهوفي الذي طرح المشروع على الكونغرس وظل يتبناه في جميع مراحله بعد أن أعلن أنه يستند إلى استطلاع لآراء عينة من المواطنين الأميركيين شملت نسبة 80 في المئة من الآراء التي أكد أصحابها على ضرورة اعتماد الإنجليزية لغة وطنية في طول البلاد وعرضها،
ولا سيما في ضوء مزاحمة لغات أخرى في مقدمتها الأسبانية بل والصينية.. وغيرهما من اللغات التي يأتي بها مهاجرون وافدون بالطرق المشروعة أو بغيرها، سواء عبر خليج المكسيك من مناطق الكاريبي وأميركا اللاتينية أو عبر الباسيفيكي من أقصى الشرق من آسيا إلى ولاية كاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة.
وإذا كانت أميركا تحرص على إنجليزيتها بهذا الشكل وهي دولة - أو هي الدولة الكبرى في عالمنا حيث يتسابق القوم على تعلم لغتها واستيعاب أسلوب حياتها.. فما بالك بأمة العرب التي تحتاج إلى لغتها فصيحة وبليغة ومتجددة وفاعلة بوصفها الأداة الناجعة لصون التراث وممارسة العقيدة وحفظ الكيان.. من الأساس.
كاتب مصري