الإعلام في الإمارات مصاب بداء الاغتراب المزمن على ما يبدو، وهو داء لا يريد أن يتعافى منه، وحين نقول إعلام الإمارات، فإننا نعني القائمين عليه، والقائمون على إعلامنا كثيرون ولله الحمد يسدون عين الشمس لكثرتهم وتعدد مشاربهم وانتماءاتهم، هم من كل البلدان.
ومن كل المذاهب والملل، ينتمون لطوائف مختلفة وينتهجون مناهج سياسية وفكرية متباينة ..حتى وإن كان الإعلامي الإماراتي حتى هذه اللحظة ما زال في حكم الكائن الإعلامي النادر، وهذا كله ينعكس في نهاية الأمر ويصب في قنواتنا الإعلامية الإماراتية، في الصحف اليومية، في المجلات الأسبوعية، في المحطات الإذاعية.
وفي القنوات الفضائية التلفزيونية، وليس عيبا، ولا منتقدا أن يكون لدينا كل هذا الطيف المتنوع من الأفكار والرؤى والتوجهات شريطة أن يوظف بشكل جيد و لصالح الإعلام المحلي، لكن المشكلة أن هذا التوظيف لا يحصل بالشكل المطلوب لأسباب كثيرة ومتباينة !
القضية كما قلت في أول المقال هي في إصرار الجزء الأكبر من إعلامنا على البقاء كل هذا الزمن في حالة اغتراب عن قضايا وهموم واحتياجات المجتمع المحلي، حتى صار الأمر ملاحظا ومحل انتقاد واستياء كبيرين من قبل شرائح مختلفة ومتباينة في مستوياتها الثقافية والاجتماعية.
كما أنه أمر ليس هناك ما ومن يفسره لنا، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق في ظل هذا الانفتاح والتقدم التقني والإعلامي، وفي وجود كل هذه الإمكانيات المادية الكبيرة والمشهود لها.. إذا أين العلة ؟
لو أننا تفحصنا عينة من هذا الإعلام، وهو الإعلام المرئي مثلاً ،فإننا وفي أكثر من برنامج على شاشاتنا المحلية سنلاحظ التالي:
في أحد البرامج التلفزيونية سيكون كل الضيوف.
وكذلك المقدم والمعد والمخرج، غير مواطنين، بينما الحدث محل النقاش حدث محلي صرف ( معرض كتاب ـ حالة سوق الأسهم ـ غلاء الأسعار ـ تكاليف الزواج ـ الأسرة الإماراتية وتحديات العولمة... إلخ، هل يعقل أن لا يوجد مواطن يتحدث عن شؤون وشجون البلد ؟
في برنامج آخر سنرى مقدم البرنامج مواطنا، الضيف غير مواطن، وكذلك كل طاقم البرنامج، أما ضيوف الاستطلاع الذي أعد لمعرفة رأي الشارع الإماراتي في القضية المطروحة فكلهم بلا استثناء غير مواطنين، لماذا؟
ألا يوجد شارع إماراتي ؟ ألا يوجد مواطنون في هذا البلد يقولون رأيهم في ما يخصهم أو يهمهم ؟ فهل يعلم من يقوم بذلك أية رسالة يبعث بها للذين يشاهدون هذا البرنامج في أي مكان خارج الإمارات ؟ صحيح أن نسبة المواطنين متدنية، ونعلم إلى أين وصلت لكن هذا لا ينفي وجود مواطنين يمشون في الأسواق ويجلسون على المقاهي.
حيث يتم إجراء الاستطلاعات عادة، فهل هو إقصاء متعمد للإماراتي من وعن إعلام بلده، أم أنه استسهال إعلامي من جانب معدي هذه الاستطلاعات ؟أم هو عزوف اختياري من جانب المواطنين لأسباب مختلفة ؟ فإذا كان السبب الأخير فهل فكر أحد في البحث عن دوافع هذا العزوف ؟
في أحد البرامج المحلية، استضاف البرنامج وعلى مدى فترة زمنية طويلة عشرات الوجوه والأسماء الثقافية والإعلامية الشهيرة، وغير الشهيرة، والمهمة، والتي لا أهمية لها، ومن كل الرقعة العربية، أما من الإمارات فلم يتعد عددهم أصابع اليد الواحدة ربما! لماذا ؟
ألا يوجد مثقفون وكتاب ومسرحيون وتشكيليون وصحافيون وكتاب قصة ورواية وشعراء وسينمائيون إماراتيون ؟ هل هم الذين يمتنعون عن الحضور والظهور أم أن هناك تحفظات عليهم من قبل البعض لأسباب لا نعلمها؟ هذه تساؤلات الشارع التي يجب أن تؤخذ على محمل الجد، لأن تجاهلها ليس في مصلحة الإعلام ولا القائمين عليه.