الحروب لا تخلف غير الأحقاد، والرصاص لا ينبت ورودا. ومن يتصورون أنهم قادرون على نشر السلام والديمقراطية في العالم عبر الاحتلالات والترويع إنما هم واهمون، كما أن من يركبهم غرور القوة يدفعون الثمن أضعافا مضاعفة ذات يوم.
هذا الأسبوع زرع مزيد من الأحقاد ضد أميركا وإسرائيل في نفس كل صاحب ضمير حي، وليس في نفوس العرب والمسلمين فحسب، فمشاة البحرية في العراق لا يعرفون كيفية السيطرة على أنفسهم.
في «حديثة» أثبتت التحقيقات الأميركية أن المارينز قتلوا 15 مدنيا أغلبهم من النساء والأطفال في شهر مارس الماضي بعدما أصيبوا بحالة هياج إثر مقتل زميل لهم، ويوم السبت الماضي فتحوا نيرانهم باتجاه مجموعة من الأطفال في الخالدية غرب بغداد وهم جالسين أمام أحد المتاجر فقتلوا أحدهم وأصابوا اثنين آخرين بعد انفجار عبوة ناسفة لدى مرور دوريتهم وسط المدينة.
مجازر أميركا في العراق لا تعد ولا تحصى قليل منها يتم كشف النقاب عنه واغلبها يساعد التعتيم الإعلامي في عدم معرفته. وبالمصادفة فقد كشف مسح أجرته وكالة الأسوشيتدبرس أن الأميركيين أصبحوا أكثر فظاظة مما كانوا عليه قبل 20 عاما، كما أكدت دراسة علمية حديثة أن نحو 18% من الأميركيين يعانون من نوبات القلق المتكررة.
وأشارت أخرى إلى أن 15% يعانون من نوبات تشنج يفقدون خلالها السيطرة على أعصابهم تماما، ويبدو أن الجيش الذي يحتل العراق قد تم اختياره بعناية من بين هؤلاء المرضى النفسيين، لذلك ليس هناك رادع أخلاقي يمنعه من قتل الأطفال، ومن التعذيب السادي الذي يفتقر لأبسط قواعد الإنسانية.
باحتلالات قبيحة كهذه يهدر الأميركيون كل تاريخهم في الدفاع عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها وينصبون من أنفسهم جلادين.
وهذا يجردهم من الحق الأخلاقي في توجيه مواعظ لأحد، لكن يبدو أن ساستهم مثل قساوستهم ينقلبون في لحظة واحدة من مدافعين عن الشرف والأخلاق إلى أناس يمارسون الخطايا، ولا مانع من أن يستأنفوا مواعظهم الأخلاقية دون أن يتطهروا من الرجس.
أما إسرائيل فممارساتها الإجرامية التي تتكرر كل يوم رسخت صورة الدولة الذئب، اللهم إلا في نظر حفنة ممن يلتمسون لها الأعذار، ويبدو أن أولمرت عز عليه أن تتبدد صورة الدولة العبرية .
كما جسدها شارون حق التجسيد، فهي دولة عصابات تمارس الإرهاب والبلطجة جهارا نهارا دون أن تخشى عقاب أحد، دولة لا قلب لها مثل التتار في العصور السحيقة يتلذذون ببقر بطون الحوامل وقتل الأطفال، فكل جنين في نظرها مشروع إرهابي، ومن ثم فإن وأده أمر لا غبار عليه.
تجلى ذلك في محطات كثيرة.. وليست مجزرة بيت لاهيا خروجا عن السياق العام بل هي تعبير صادق عن تاريخ ما كان له أن يكتب لولا دماء الضحايا الأبرياء التي سفكتها جيلا بعد جيل.
بالطبع من الحماقة أن يمني الإسرائيليون أنفسهم بالعيش في سلام، فلو هزم العرب وقبلوا الاستسلام لشروطها على مدى عشرة أجيال فإن الجيل الحادي عشر لن ينسى أحقاده تجاه من تعيش على مص دماء آبائه وأجداده، كما لا ينبغي أن تحلم أميركا بعالم خال من الإرهاب.
وهي التي تبذر الإرهاب بنفسها في كل مكان، وإذا كان العالم الإسلامي قد استنكر يوما ما هجمات 11 سبتمبر، فإن إدانة كهذه لن يتكرر، فالمرارة التي زرعتها في كل بيت مر بجواره مشاة البحرية سيصنع جيلا لا يتورع عن فعل أي شيء بالأميركيين، وربما لاحت بشائره في ممارسات البعض ممن ذبح المعادين من الوريد إلى الوريد دون رحمة أو شفقة.
من العار أن نترك الممارسات الأميركية والإسرائيلية تشوهنا وتشكلنا على هواها، لكن كيف تنجو من التشويه طفلة مثل هدى علي غالية التي قتل ستة من أفراد أسرتها أمام عينيها على شاطئ غزة؟
وكيف ينجو من التشويه أطفال العراق الذين يقتاد أباؤهم يوميا إلى المسالخ الأميركية، ويخرجون في صحبة جنود الاحتلال ثم يعودون في نعوش؟ أليس ذلك نوع من تحميل البشر فوق طاقتهم؟
حسنا لقد أعلن الرئيس الفلسطيني أبو مازن ورئيس الوزراء إسماعيل هنية تبنيهما لهدى، لكن الدنيا كلها لو وضعت في راحتيها لن تنسيها لحظة كسرت قلبها الغض يوم أخذت تنوح كيمامة قتل أفراخها لهول ما رأت وستظل تتطلع ليوم تأكل فيه أكباد من يتموها قبل الأوان وحولوها من طفلة تتقلب في عز أهلها إلى فرع قطعوه من شجرة ورموه في جحيم الحياة.
magdishendi@hotmail.com