على أيامنا كانت المدارس عامرة بأبناء الاخوة العرب العاملين والمقيمين في الدولة، وكان مناخ المدرسة حافلا بالثراء على الصعيد الاجتماعي وكنا في الفصل الواحد وكأننا نمثل نواة جامعة الدول العربية صبية وشبيبة، كل قضايانا القومية كانت حاضرة وكنا نتعاطاها طلبة ومعلمون، ذلك الانسجام وتلك التعددية في المنابت وأساليب التفكير والخصوصيات والعادات والتقاليد كانت تذوب بيننا نحن كتلاميذ مواطنين وبين اخوتنا التلاميذ العرب.. نشأت بيننا علاقات تعدت الزمالة المدرسية وصرنا أكثر من اخوة، وامتدت تلك العلاقات إلى خارج أسوار المدرسة..

كنا نتبادل كراريسنا المدرسية، نشترك في جلسات الاستذكار والمراجعة، كنا نغار من الذي يتربع على عرش الترتيب الاول في فصلنا، عصام، أو زكي، أو منير، أو صلاح، أو ثامر.. كانوا اكثر منا انكبابا على الدرس وحرصا على متابعة معلم الفصل..ليس لأننا بلداء إلى ذلك الحد، بالرغم من انه يوجد بيننا وبين اخوتنا العرب من هم على تلك الشاكلة.

ومن هم زعماء الفوضوية في المدرسة، لكننا في ذلك الوقت لم نعقد صداقة متينة مع الكتاب المدرسي.. ولهذا غلبونا وفازوا بالمراكز الأولى في الترتيب..

كنا نشعر في داخلنا بالحماسة لكي نكسر ذلك الحاجز ونستل كرسي الترتيب من احدهم، وحينما يفعل احد منا ذلك نهلل ونطبل له.. هي حالة من المنافسة الشريفة واللذيذة في أيام صبانا..

شكل أبناء الوافدين العرب العاملين في الدولة في مدارسنا حافزا لنا فدفعونا إلى خوض مباريات التحدي معهم، هذا عدا عن ذلك الانصهار القومي الذي كان يعتمل في عروقنا بصورته الطبيعية.. صورته الحية والاصيلة، صورته التي لم تؤثر فيها مثلما تؤثر اليوم برامج الاعلام السياسي وحلقات «التوك شو» والاتجاهات المتضادة او المعاكسة، لم تؤثر فينا كل الدعاية الخارجية.

ولا غسيل الادمغة المصدر إلينا اليوم عبر الفضاء، وحملات العولمة المقصود بها تشويشنا عن الانصهار العربي العربي المحتوم..

كنا في فصول الابتدائي، ثم الاعدادي، ثم الثانوي تكبر معنا الاشياء مثلما تكبر معنا مواضيع المنهاج الذي ندرسه، وبجانبها كانت تكبر العلاقة وتشتعل المنافسة..

وكنا نرى دولتنا في خيرها وطيبها تفتح أبواب الامل أمام اخوتنا أبناء العرب الوافدين إلينا، آباؤهم الذين عملوا في قطاع الحكومة وكان لهم الاثر الواضح في مساعدتنا على بناء النهضة التي نعيشها الان منذ بداياتها..

اليوم وحينما تقر الحكومة عودة أبناء العاملين العرب في بلادنا إلى المدارس الحكومية في محاولة لاستعادة كل ما فقد في ساحاتها من حياة طلابية اجتماعية وبهدف خلق بيئة تعليم تنافسية، فإنها تقر معه رد الجميل للعاملين فيها من اخوتنا العرب، وتقر عودة ذلك الانصهار القومي الحميم من جديد..

خطوة مباركة.. نحن بحاجة لها في هذا الوقت بالذات..

mhalyan@albayan.ae