من المنطقي ان ننعم بالتكنولوجيا، وحينما تحول الأقمار الاصطناعية العالم إلى قرية صغيرة تصبح فيه أحياء الدنيا بكاملها متقاربة، كما تتقارب البيوت في الحي الواحد وبالتالي توفر التكنولوجيا بعضلاتها الهائلة التي هي دليل عبقرية الإنسان خدمات كبيرة، لأنه من المنطقي ان تتحول إلى خادم للبشرية ووسيلة تجلب الراحة والسعادة.
التجار وحدهم الذين تنقلب عندهم المنطقيات من اجل طموحاتهم وأهدافهم وأساليبهم في جلب الثروة والوصول بها إلى معدلاتها القياسية في الثراء، ولهذا فإن التاجر هو الوحيد الذي يستطيع في زماننا اليوم المتاجرة بالهواء والماء والتراب، والعقلية الإنسانية التي أنتجت مقولات تكاد تقارب الخيال.
فيما مضى عقلية مدركة وقادرة على قراءة المستقبل، فمن كان يضرب به المثل في القدرة على تحويل الرمل إلى ذهب، تدليلا لمعنى القدرة على المستحيل، صار أسهل تحقيقا اليوم من رش بعوضة بالمبيد الحشري!
فلعبة الاحتكار مبدأ التاجر الشاطر حينما تتخلى التجارة عن أخلاقياتها الكلاسيكية، في أيامنا هذه يصبح الاحتكار مبدأ متفقاً عليه وله مبرراته الأخلاقية الخاصة في لعبة إمبراطوريات المال.
فلعبة من مثل كرة القدم، أو مباراة في الملاكمة للبطل التاريخي والأسطوري محمد علي كلاي كنا نتسلى بها من على بعد آلاف الأميال من موقعها، ومع تقدم التكنولوجيا وسهولة التقاط الصورة التلفزيونية من أي بقعة في العالم صار من السهل متابعة كل حدث شيق أو مثير أو مهم.
كما هي الحروب التي تبث اليوم على الهواء مباشرة، والقتل الصريح الذي نشاهد تفاصيله بدقة وعن قرب، إلا ان المبدأ الأخلاقي الجديد في فن الاحتكار، ولعبة تحويل التراب إلى ذهب الغت السهولة والخدمة التي توفرها تكنولوجيا الاتصال، وبدلا من ان يصير العالم قرية واحدة مكشوفة أحداثها على أهلها، صار العالم كله بضاعة كل تفاصيلها الكبيرة والصغيرة معروضة للبيع!
وصار واحد مثل بيومي، عامل في مقهى سيداً آمراً ناهياً يتحكم في رؤوس ورقاب وأماكن جلوس زبائنه الذين يتزاحمون كل مساء امام شاشة التلفزيون الكبيرة التي جلبها في مقهاه حديثا لعرض مباريات كأس العالم.
بيومي يعرض الكرسي الواحد للبيع بقيمة 25 درهما مع كوب شاي مجاني، فيما رفع قيمة باقي المشروبات 50 بالمئة زيادة وشغل أربعة شغيلة جددا ليسوا على كفالته لاستيعاب الطاقة التشغيلية لمقهاه في هذا الظرف العالمي..
وبيومي مظلوم في تصرفه هذا، فهو مجبر على توفير متطلبات زبائنه، ومجبر على شراء تصريح لبث مباريات كأس العالم بقيمة أربعة آلاف درهم، ومرغم على شراء شاشة كبيرة وكراس وطاولات.
اضافية، لأن الطبق اللاقط الذي ركبه قبل ثلاث سنوات لن يتمكن من جلب الصورة من الملاعب الألمانية الا بدفع الضريبة لصاحب الامتياز الأوحد!.ولأن التكنولوجيا استطاعت حقا ان تحول العالم إلى قرية، فمن السهل جدا ان ينتشل احدهم ما في جيبك!