قد يبدو العنوان غريبا للوهلة الأولى، لكننا ونحن نعيش عصر هيمنة الإعلام بجدارة يمكننا تفهم العنوان جيداً في إطار الانجازات الرهيبة للدعاية والإعلام، والسيطرة الكاملة على الرأي العام وتوجيهه من خلال ثقافة الصورة وصناعة الخبر.

ولعل المفكر السياسي الأميركي «نعوم تشومسكي» المعروف بمعارضته الشديدة لسياسات بلده هو أكثر الأشخاص استفاضة واستدلالاً عند الحديث عن هيمنة الإعلام خاصة في النظام الديمقراطي الأميركي.

هل الديمقراطية مفهوم مواز للحرية السياسية والإعلامية؟ بمعنى آخر هل يتمتع الناس في المجتمعات الغربية الديمقراطية بوسائل المشاركة الحرة في إدارة شؤونهم السياسية، وبوسائل إعلام حرة ومنفتحة كما نتصور؟

ينفي نعوم تشومسكي هذا التصور نفياً قاطعاً، مؤكداً ان الديمقراطية المتداولة في المجتمع الأميركي كما يعرفها وكما تتبعها تاريخيا هي تلك القائمة على منع الشعب من إدارة شؤونه بنفسه، وإبقاء الإعلام تحت هيمنة إدارات رسمية مرتبطة بدوائر الحكم والمتنفذين الذين يقبضون على الإعلام ويوجهونه وفق ما تراه الإدارة والنخب الحاكمة والمستفيدة!

فكيف تتم هندسة الرأي يا ترى؟ ولمصلحة من؟ المؤكد أن النخب الحاكمة سياسيا واقتصاديا في العالم استفادت وما زالت من أول تجربة لتوجيه الرأي العام وهندسته وفق مصالح الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة، لقد كان ذلك في العام 1916 وفي خضم الحرب العالمية الأولى، يومها كان يحكم الولايات المتحدة الرئيس (وودرو ويلسون).

في الوقت الذي كان فيه الشعب الأميركي نزاعاً للهدوء واللاعنف وتنادي أغلب شرائحه بالانكفاء الداخلي وبناء المجتمع والعيش بهدوء دون التورط في أي نزاعات خارجية خاصة في أوروبا، لكن الإدارة كانت تسير على خط مختلف تماما فقد التزمت بالمشاركة في الحرب في الوقت الذي فاز فيه ويلسون بالرئاسة، إذن فما الحل؟

لقد كان الحل في الدعاية والإعلام، وفعلاً شنت أجهزة الحكومة في أميركا تحت رعاية لجنة عرفت باسم (لجنة كريل) حملة لمدة 6 أشهر متواصلة استخدمت فيها التقنيات الإعلامية كاملة لإثارة ما سمي يومها بـ (الرعب الأحمر) الهستيري لدى الشعب.

حيث بدأت وسائل الإعلام في تخويف الأميركيين من ألمانيا وإرهابهم منها وتصويرها على انها الرعب الأكبر القادم لتحطيمهم ومحوهم من الوجود (تذكروا الحملة الأميركية ضد العراق) مما أثار تعصبهم وشوفينيتهم الكاملة وجعلهم يندفعون بجنون نحو المطالبة بالحرب لتمزيق ألمانيا إرباً إرباً.

لقد عرضت صور مختلفة لأعمال وحشية قام بها الألمان، وصور لأطفال بلجيكيين ممزقي الأشلاء وأمور مروعة أخرى.. وبالفعل فقد تحول الشعب النزاع للهدوء واللاعنف إلى شعب يطالب بالحرب وبشكل هستيري، لقد نجح مهندسو الرأي في تحويل الرأي بطريقة مثيرة، تعلم منها هتلر فيما بعد وتعلم منها سواه، ومازال الدرس نفسه مستمرا حتى هذه اللحظة.

أضافت الولايات المتحدة للدرس نقاطاً أخرى فيما بعد خاصة بعد هزيمتها في فيتنام ومعارضة الأميركيين لاستخدام القوة العسكرية ضد الآخرين مجدداً، فقد صار لزاما السيطرة على الشعب بحيث لا يفكر في تنظيم نفسه والمطالبة بالتدخل في السياسة، كذلك إيقاف نزعة الشعب ضد فكرة العزلة وعدم استخدام القوة العسكرية باعتبارها مغامرة عسكرية تقوم على القتل وتعذيب الآخرين.

فكان لابد من تزوير الحقائق والتاريخ وتصوير الآخرين على انهم خطر فادح وان القوة العسكرية ليست سوى وسيلة للدفاع عن الأمن والمواطن والحضارة الأميركية، وقد زورت القوة الأعظم كل الحقائق منذ بداية القرن الماضي ومازال التزوير مستمرا من أجل السيطرة على الرأي العام كله في أميركا وفي خارجها!!

sultan@dmi.gov.ae