للقارئ أن يقرأ، وله حق أن يعجبه هذا الذي يقرأه أو لا يعجبه، يختلف معه أو يتفق فذلك شأنه وتلك حريته المطلقة التي نحترمها وندافع عنها ليتمتع بها، لكن لا يجوز له أن يحمل ما يقرأ أكثر مما يحتمل، كما لا يجوز له بأي حال أن يمارس دور رجل الأمن الذي يدخل يديه في جيب الكاتب ليفتشه بحثا عن أدلة اتهام.
أو في عقله لينبش نواياه ومقاصده، تلك ليست مهمة القارئ ولا دوره ولا وظيفته، حتى وإن لم يعجبه كل «الهذر» الوارد في ما نكتب، فليست مهمة الكاتب أن يرضي الناس ولا أن يغضبهم بطبيعة الحال، مهمته أن يكتب ليقول رأيه بأكبر قدر ممكن من الوضوح وبأقل قدر ممكن من الأنانية والذاتية.
تلك مقدمة أراها ضرورية جدا وأنا أعاود الكتابة اليوم بعد انقطاع قصير، سبقه نقاشات مع عدد من القراء حول بعض ما أثرته في هذه الزاوية حول الهوية الإماراتية التي أراها تتلاشى تدريجيا في هذا الخضم البشري المتلاطم الذي يستقر على أرض الإمارات، دون أن تعني هواجسي كمواطنة إماراتية أي نوع من العنصرية أو التمييز ضد أي جنسية من الجنسيات عربية كانت أو غير عربية.
أما من أراد أن يفهم عكس ذلك فأتركه لشأنه لأن هناك من يناقش بحثا عن إجابة، وهناك من يناقش بحثا عن جدل بلا طائل.
ولقد سألني كثيرون لماذا لم أكتب منذ مدة ظنا منهم أن هناك سببا ما أو قصة كبيرة وراء ذلك، والحقيقة أن هناك أسبابا ولا أسباب !! فقد قضيت الفترة الماضية في لبنان بحثا عن إجابات لأسئلة كثيرة تجول في ذهني، كما بحثا عن شيء من الهدوء والفرح، ولقد وجدت ضالتي الأخيرة لكنني عدت بلا إجابات للأسئلة بل وبأسئلة أكبر ربما، وقد يأتي اليوم الذي أحدثكم عنها .
اليوم أكتب مجددا دون أن ألمح تغييرا يذكر في تفاصيل الواقع، واقعنا الذي نتحرك فيه كتكوينات إنسانية، لا أقصد التغيير على صعيد البناء والتعمير والإنشاءات، فذلك كثير ودائم ويسير بوتيرة عالية ولله الحمد.
لكنني أقصد التغيير على صعيدنا الإنساني وعلى صعيد علاقتنا بالمكان ومن وما فيه على صعيد حراكنا الثقافي والسياسي والاجتماعي، تفاعلنا مع كل التفاصيل المحيطة والتي تشكل أسئلة اليوم وتحديات المستقبل، ( لا أرى في مسرحية بحيرة البجع ولا في عروض مسرح بورودواي ذلك التغير المنشود الذي يطمح له المواطن الإماراتي).
لا أدري لماذا اختفى الحوار الوطني الإماراتي؟ ولماذا لم يستطع ذلك الحوار الذي كان موجودا ذات يوم أن يولد أسئلته الخاصة وأن يطرحها باستمرار وبصوت مسموع في المنتديات والمقاهي وفي الإعلام الذي انشغل عن الهم الوطني للأسف بشيء من الهم العربي والعالمي العام وبكثير من أخبار الكرة والفن والغناء لا أكثر ولا أقل.
بينما راحت المنتديات تتبارى بالاهتمام بالشائعات وأسعار الأسهم وسوالف أخرى لا ضرورة لها إلا لأصحابها، فأين ذهب الوطن ؟ أين ذهبت قضاياه؟ أين ذهب ترسيخ الانتماء والبحث عن آليات التغيير والتنمية الثقافية والإنسانية؟
لا أتحدث عن دور الحكومة فهي تحاول جهدها لكنني أتحدث عنا كإماراتيين نواجه الكثير من التحديات والأخطار على مجمل بنياننا الاجتماعي ومع ذلك نتظاهر وكأننا بلا تحديات وبأن لا أسئلة لدينا وبأنه لا شيء يهمنا سوى الأسهم ومباريات كأس العالم، وبأن كل شيء مؤجل حتى إشعار آخر !