لو كانت هناك مسابقة لأفضل تصريح كوميدي سياسي ساخر لفاز بها بلا منازع المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). هذا الناطق أو المتحدث قال الأسبوع الماضي ان الجيش أكد على جنوده في العراق ضرورة التشديد على اتباع المعايير الأخلاقية في القتال بالعراق، وعلى ضرورة اتباع معايير الاشتباك، وانه ـ فيما معناه ـ سيعطي هؤلاء الجنود دورات في الأخلاق أثناء القتال.
هذا التصريح الكوميدي صدر في أعقاب كشف وسائل إعلام أميركية عن قيام جنود الاحتلال الأميركي بتنفيذ مذبحة وحشية عن عمد في قرية «حديثة» غرب بغداد في نوفمبر الماضي، ما أدى إلى مقتل 24 مدنيا من أسرة عراقية واحدة بينهم أطفال ونساء وشيوخ.
تصريح الناطق باسم الجيش الأميركي كوميدي لأسباب متعددة تحتاج مجلدات لشرحها، لأن تفاصيل معظم المعارك التي شارك فيها هذا الجيش هي باختصار نقيض للأخلاق.
السبب الرئيسي الذي يجعلنا كعرب نموت ضحكاً أو كمداً من غباء تصريح الناطق باسم الجيش الأميركي، هو أن احتلال أي دولة لأخرى خصوصا عندما تكون الأسباب ملفقة ـ كما في حالة العراق ـ هو نقيض لأي فكرة أخلاقية في أي ثقافة في العالم.
ثانيا: ولأن حبل الكذب قصير، كما يقولون، فإنه لم تمض دقائق على تصريح الناطق باسم «البنتاغون» حتى تكشف ان هذه «القوات المسلحة بسلاح الأخلاق» ارتكبت مجزرة أخرى في بلدة «الاسحاقي» عندما قتلت 11 شخصا مدنيا قبل تفجير منزلهم في شمال العراق في 15 مارس الماضي.
ثالثا: وهذا هو الأساس فإن جيشا تأسس على فكرة ابادة شعب آخر هو الهنود الحمر لا يمكن ان يكون اخلاقيا بأي معيار سماوي أو أرضي.
نعلم جميعا ان الولايات المتحدة تأسست عبر هجرات من أوروبا خصوصا بريطانيا، وجزء كبير من هؤلاء المهاجرين كانوا من اللصوص أو النصابين والمسجونين وكل ما يمكن تسميته «بشذاذ الآفاق».. هؤلاء وعندما استوطنوا الساحل الشرقي من الولايات المتحدة بدأوا يزحفون غربا مستخدمين الإبادة ضد كل ما هو ساكن اصلي لهذه الأرض.
والقصص عن «سلخ فروة رأس الهندي» لا تعد ولا تحصى.. المهم أن هذا التأسيس ترك أثراً رئيسياً في فلسفة هذا الجيش لاحقا، هذا الأثر هو باختصار البقاء للأقوى، وليس للأصلح.. عليك ان تقتل أولاً. والا فالبديل ان تكون مقتولا.
هذه الفلسفة كان لها تأثير خطير ليس فقط في ميادين القتال بل في الاقتصاد والاجتماع وطريقة الحياة نفسها، ما يمكن أن يفسر لنا الآن جزءاً من ظاهرة الرأسمالية المتوحشة التي تجعل شخصاً واحداً يملك خمسين ملياراً من الدولارات وملايين الأشخاص لا يملكون بنساً واحداً ويعيشون على فضلات القمامة.
ولماذا نذهب بعيداً في التأسيس وأمثلة الحاضر القريب خير دليل.. لماذا ننسى بسرعة ما حدث في فيتنام.. لماذا ننسى مذبحة «ماي لاي» وصورة الطفلة المذعورة التي تهرب من المجزرة.. عرفنا فقط بهذه المذبحة لأن صحافياً أميركياً شريفاً هو سيمور هيرش كشفها، وهو الصحافي نفسه الذي كان له الدور الأكبر في كشف فضيحة أبو غريب.
مذبحة ماي لاي كانت في أوائل السبعينات، أما في الثمانينات فان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان الأب الروحي للمحافظين الجدد أشرف على قتل عشرات الآلاف في أميركا اللاتينية عبر «فرق الموت» التي أسستها ومولتها المخابرات المركزية لملاحقة كل المتعاطفين مع حركات التحرر المناهضة للهيمنة الأميركية وشركات الموز التي كانت تحكم هذه البلدان نيابة عن واشنطن..
ريجان خاطب ذات مرة فرق الموت هذه بالقول: «إننا مدينون لهم بالمساعدة، لأنهم وبقيمهم الأخلاقية يماثلون آباءنا المؤسسين لأميركا».
فعلاً لم يكذب ريغان فمقاتلو الحرية أو فرق الموت عاثوا فساداً في أميركا اللاتينية خصوصاً السلفادور ونيكاراغوا وغواتيمالا، أما الأكثر لفتاً للنظر، فان السفير الأميركي الذي أشرف على هذه المجازر هو جون نيغروبونتي.. هو نفسه الذي ذهب سفيراً في العراق، والآن هو المشرف على أجهزة المخابرات الأميركية..
كما أن الرجل الذي كان مسؤولاً عن التعذيب الرهيب في معسكر غوانتانامو هو الذي تم انتدابه للعراق، وفي عهده حدث ما حدث في أبو غريب، إنه الجنرال جيفري ميلر، ولذلك فالمسألة ممنهجة وليست خطأ فرد أو عفو الخاطر.. الأمر الذي يدحض ما قالته الولايات المتحدة أن ما حدث في أبو غريب وحديثة ومذبحة قلعة غانغي في أفغانستان هي أعمال فردية لا تمثل أخلاقيات جيشها.
من حق الولايات المتحدة أن تقول عن نفسها كما تشاء، وأن تعتبر نفسها القوة الأخلاقية الأكبر في العالم بأجمعه مثلما تفعل صنيعتها إسرائيل.. لكن السؤال الذي يجعل المرء يخبط رأسه في الحائط كل لحظة. كيف للعرب أن يصدقوا هذه الكذبة الكبرى، بل ويدافعوا عنها أحياناً.
سحقاً للأخلاق الأميركية إذا كانت تلك هي أخلاقهم!