يتردد العرب في اتخاذ موقف واضح من السياسة الإيرانية في المنطقة، فتارة يصمتون على هذا التصرف الإيراني أو ذاك وطوراً يعبرون عن عدم رضاهم بالإشارة والمداورة وبعضهم يظهر امتعاضه من مواقف السياسة الإيرانية تجاه أمر أواخر.

ولكن معظمهم لا يقول دائماً ما يؤمن به ولا يصرح بقناعاته تجاه هذه السياسة، إما حفاظاً على حق الجار أو على التاريخ المشترك أو على جوانب الثقافة المشتركة أو أملاً بعلاقات متينة ومتعددة الجوانب بين إيران والبلدان العربية وصولاً إلى موقف موحد وتضامن حقيقي يأخذ مصالح الجميع بعين الاعتبار وينسج توافقات بين دول المنطقة تصلح لإقامة منظومة سياسية واقتصادية وثقافية واحدة تواجه قوى الهيمنة والغزو والعدوان والسطو على الثروات.

وزاد الطين بلة والتردد تردداً مجريات المعركة التي تخوضها إيران للحصول على حقها في الصناعة الذرية للاستخدامات السلمية وما تواجهه من عنف وعداء ومظالم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية من جهة، والنتائج السلبية لامتلاكها الصناعات النووية على بلدان الجوار وعلى الوضع في المنطقة عموماً من جهة أخرى، فالعرب يؤيدون الحق الإيراني ويخشون من القضية برمتها في الوقت نفسه، واعتقد أنهم محقون في الحالتين.

من البديهي أن تقف الدول العربية إلى جانب إيران في معركتها هذه وتصطف معها لانتزاع حقوقها مادامت تسعى لصناعات ذرية لأهداف سلمية وهذا حقها المعترف به بالقانون الدولي وبنظام الوكالة الدولية للطاقة الذرية ويلقى الموقف الإيراني التأييد العربي، ولكنه من البديهي أيضاً أن يعبر العرب عن مخاوفهم من إقامة مفاعلات نووية إلى جوارهم على الجانب الآخر من الخليج خاصة

و أن مواقع هذه المفاعلات هي أقرب إلى عواصمهم منها إلى طهران عاصمة إيران وبالتالي فأي خلل تقاني أو غير تقاني أو إشعاع منفلت أو حتى كارثة طبيعية ستصيب البلاد العربية بكوارث أكثر مما تصيب إيران نفسها، ولاشك أن التخوف مشروع بهذا المجال بمثل مشروعية الحقوق الإيرانية وخاصة إذا تحولت هذه الصناعات يوماً إلى صناعات عسكرية.

وعليه فإن السياسة العربية صائبة عندما تطالب بمنطقة خالية من السلاح الذري تشمل إسرائيل التي تمتلك القنبلة الذرية فعلاً، والتي لولا امتلاكها هذا لما اهتم أحد بامتلاك إيران وغير إيران حتى بتصنيع قنبلتها الذرية ولعل أمثلة باكستان والهند ماثلة أمامنا، وقد عبرت معظم البلدان العربية وخاصة بلدان الخليج عن مثل هذا الرأي وتبنت موقفاً متوازناً.

من طرف آخر من البديهي أن يخشى العرب السياسة الإيرانية بعامة رغم التطمينات الشكلية واللفظية المتوالية التي أبلغتها إيران للعرب، وتتعزز الشكوك في السياسة الإيرانية من خلال الرفض الإيراني المطلق لحل مشكلة الجزر الإماراتية الثلاث وعدم قبول عرضها على محكمة العدل الدولية أو السير حتى ولا خطوة واحدة نحو الاعتراف بالخلاف على هذه الجزر وعدم تغيير السياسة الإيرانية التي رسمها حكم الشاه .

حيث بقيت المعايير نفسها والمبررات نفسها، وإصرار الأوساط الإيرانية عندما تعقد معاهدة أو اتفاقية مع دولة أجنبية كما في الصحافة ووسائل الإعلام على تسميته (بالخليج الفارسي) مع أن الحقيقة ليست كذلك بأي معيار.

وليس هذا الأمر وحده مدعاة للشك والقلق فالعرب يلمسون لمس اليد الدور السلبي الذي تلعبه السياسة الإيرانية في العراق المتمثل بتسريب ميليشيات وتسليح ميليشيات أخرى والسكوت على الاستفزاز الطائفي، والعمل على لعب دور الشريك مع الولايات المتحدة في تقرير مصير العراق بمعزل عن البلدان العربية.

ومن المهم الإشارة هنا إلى اعترافات عديد من المسؤولين الإيرانيين بأنهم قدموا مساعدات استثنائية لقوات الغزو الأميركية للعراق رغم الجفاء بين الطرفين كما قدموا مساعدات أخرى لغزو أفغانستان ناهيك عن إيران غيت والتعامل مع إسرائيل وغيرها من الممارسات التي تدعو للشك والريبة ونذكر هنا بآراء بعض المحللين السياسيين الذين يقولون بضرورة الخشية من نصف الساعة الأخير عندما يتعلق الأمر بالسياسة الإيرانية.

صرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد قبل شهرين بأن إيران قوة إقليمية عظمى واعتمد على معطيات منها كثرة عدد سكانها وإمكانياتها النفطية وصناعاتها النووية المحتملة وموقعها الجغرافي وإمكانيات تأثيرها في أفغانستان والعراق وآسيا الوسطى وغيرها.

ولا يعيب أحد على إيران أن تكون قوة إقليمية عظمى ولا يرفض حقها في ذلك، ولكن التساؤل ينصب حول الدور الذي تريد هذه القوة لعبه والمهمة التي ستؤديها، هل هو لعب دور الدولة الطامحة للهيمنة الإقليمية والإملاء وتجاهل الآخر والبحث عن المصالح الذاتية

وإباحة التدخل بالشؤون الداخلية لدول الجوار، أم دور الدولة الحليفة ودولة المشتركات الدينية والثقافية والتواصل المستدام والتأثير والتأثر المتبادلين خلال مئات السنين والمتضامنة مع دول المحيط وقضاياها قولاً وفعلاً والمؤمنة بالمصير المشترك للجميع في عالم صاخب تهدد فيه القوى الكبرى مصير الدول الصغرى وسيادتها وثقافتها واقتصادها .

إن لم تتضامن إقليمياً وتقيم منظومات قادرة على تحقيق الندية وحماية مصالح أعضائها، ومواجهة الأعداء المشتركين والمطامع الأجنبية والسطوة الإسرائيلية والأميركية.

ولا ينفع ـ في هذا السياق ـ تطبيق المثل الشهير (قل ما يرضي الناس واعمل ما يرضيك) لأن مصير دول المنطقة جميعها مشترك سلباً أو إيجاباً ولا يفيد التفرد أحداً سواء كان دولة إقليمية عظمى أم صغرى لأن الفرق بينهما بالدرجة لا بالنوع أمام الرغبة الأميركية بالهيمنة والتسلط.

لعله من الحكمة أن تتضامن دول المنطقة بصدق وإخلاص لأن مصيرها واحد، ولن ينفع التفرد أو الغطرسة أو الخداع أو (اللعب تحت الطاولة)، وينبغي أن يعترف الجميع بالمصير المشترك.

وعليه فمن الطبيعي أيضاً أن يطالب العرب السياسة الإيرانية بالوضوح والشفافية والتوقف عن التصرف المنفرد وتجاهل مصالح دول الجوار والمصالح العربية عامة ونشير إلى أن القضية برمتها ليست قضية ضعف أو قوة بل ينبغي أن تكون قضية سياسة عقلانية واقعية ذات أفق مبدع تنطلق من رؤى بعيدة ترى ما بعد الآن من مصالح مشتركة ومصير مشترك للعرب كما للإيرانيين.

كاتب سوري