شعور جميل أحسست به وأنا أقرأ في الصحف هذا الأسبوع خبر وجود امرأة في السبعين من عمرها، ورجل قد تعدى هذا العمر ببضع سنوات من ضمن المتقدمين لامتحانات نهاية مرحلة الثانوية العامة في بلدنا.

سعدت كثيراً للخبر،وأحسست لحظتها أننا يجب أن نحتفي بوجود مثل هؤلاء في مجتمعنا، وأن نقترب منهم وأن ننظر ونتعلم من تجربتهم في الحياة. فالذي يصر وهو في هذا العمر على أن يدرس ويتعلم، والأكثر من ذلك، أن يجلس إلى طاولة الامتحانات.

وأن يتقبل الضغوطات النفسية والمجتمعية لمثل هذا الدور، فلا بد أن يكون هؤلاء أناس لهم ميزاتهم الخاصة وفلسفتهم غير العادية في الحياة؛ والأكثر من ذلك، لهم طموحهم في ألا يعيشوا على هامش الحياة وأن يتعلقوا بالعلم وأن يتحيزوا له.

لقد أحسست لحظتها أيضا أنه لو كان الأمر بيدي لذهبت إلى هؤلاء الأشخاص وسألتهم إن كان من بين طموحهم أن يكملوا الدراسة الجامعية؟، وأين يريدون أن يكملوها، وما هي الإمكانات التي يريدون منا أن نوفرها لهم؟.

إذ إن الذي قرر أن يواصل الدراسة وهو في هذا العمر، لعله أيضا يرى نفسه غير متوقف وغير مكتف فيها بحد، فهل نرى من المسؤولين من يذهب إليهم ويسألهم عن خططهم المستقبلية.

لقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، من بين تعاليمه المهمة «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، وها نحن نرى اليوم تجسيداً مهما لهذه الدعوة تمثلت في هؤلاء الأشخاص.

لقد عرفنا أناساً واصلوا التعلم، أوارتبطوا بالعلم طوال حياتهم، لكننا نعرف فقط القليلين ممن بدأوا مشوار العلم متأخرين ولم يجدوا حرجا في ذلك. ولقد كان الرسول عليه السلام من أكثر الناس دراية بما يجعل لوجود الإنسان في الحياة معنى وقيمة لذا جعل طلب العلم فريضة علينا ولم يحدد لتحقيق هذا الطلب شرطا عمريا معينا، لأنه يدرك أن العلم مرتبط بالسعي نحو إيجاد معنى لوجود الإنسان في الحياة، وهذه مسألة لا ترتبط بسن معينة.

وها نحن نرى اليوم بعض من يجسد لنا هذا المعنى، غير آبه بحدود العمر ولا الكيفية التي قد أصبح الناس ينظرون للعلم فيها، والأكثر من ذلك، الكيفية التي بات الناس ينظرون لكبار السن فيها.

من جانب آخر، إن مثل هؤلاء الأشخاص الذين ذهبوا اليوم للامتحان وقبلوا أن يكونوا في صفوف يشغلها شباب في عمر أحفادهم، لا شك أنهم يأتون إلى هذا المكان ولديهم قصة، قصة تعكس الدوافع التي جعلتهم يتحدون كل صعوبات الحياة وكل الآراء التي ربما حاولت ثنيهم أو التقليل من عزيمتهم.

فهؤلاء مثلا لم يتحدوا فقط صعوبات حياتهم الجسدية، بل إنهم يعلنون بموقفهم هذا عن تحيزهم للعلم. التحيز للعلم في وقت، كما هي حكاية كثير من الأزمان، لا يجد العلم فيه لا المكانة التي يستحقها ولا التبجيل الذي يجب أن يحظى به. فعالم اليوم عالم تطغى فيه قيم المادة على قيم العلم والمعرفة، عالم يحظى فيه الجهلة بمكانة أكبر من تلك التي يحظى بها العلماء.

إنه عالم لم يعد العلم فيه شيء يطلب لذاته، وإنما لما يمكن أن يحققه للفرد من امتيازات مادية بحتة. لذا صار العلم والعلماء أكثر الناس غربة في أوطانهم، أو هم راحلون عنها لمكان قد يحظون فيه بمن يقدرهم أكثر، ورغم ذلك تأتي إضاءات لتقول لنا إننا يجب أن لا نسقط الراية.

الأمر الآخر، وهو أمر بعيد عن شجون العلم وأوضاعه، هو المرأة والرجل اللذان تقدما للامتحانات لا شك أنهما يعكسان لنا شيئا آخر يجب أن نتعلمه منهما، وهو صحتهما النفسية والجسدية. لقد أثبتت الدراسات الحديثة، وبخاصة تلك التي يجريها أناس تخلصوا من محدودية إرث العلوم الغربية الوضعية وتجاوزوها نحو استعادة الحكمة الشرقية، أن انشغال الإنسان بالعلم .

وبالعمل يمنحه صحة جسدية ونفسية أفضل، ويمده أيضا بعمر طويل. نحن لم نقرأ، على سبيل المثال أن المرأة التي تقدمت لامتحان الثانوية في بلدنا وهي في السبعين من عمرها قد جاءت على كرسي ذي عجلات، أو أنها جاءت مسنودة، وهذا الأمر ينطبق أيضا على المعلومات التي قرأناها عن الرجل الذي تقدم للامتحانات هو أيضا وقد تجاوز السبعين بسنوات.

مما يجعلنا نتذكر تلك المعلومات التي عرفناها عن أن الإنسان الذي ينشغل بما ينشط طاقاته الذهنية والجسدية يكون أكثر صحة من ذلك الجالس دون عمل، أو الذين قررت المؤسسات الاستغناء عن جهودهم وهم في أوج خبرتهم بحجة أنهم «قد تقدموا في السن».

لم يكن العالم قبل ظهور المؤسسات والأفكار الرأسمالية ينظر للتقدم في السن على أنه عاهة يجب أن يعامل المتعرض لها بالإهمال وسوء التقدير، بل كان المتقدمون في السن هم قادة مجتمعاتهم ومرشدوها. ونحن حين تبنينا الكثير من طروحات الرأسمالية نسينا ركائزنا المعرفية والثقافية، بل في الكثير من الأحيان تنكرنا لها، ولعلنا بحاجة بين الحين والآخر لمن يأتي وفي يده سراج يضيئ لنا هذا الليل من الجهل الجديد.

جامعة الإمارات

majamal@emirates.net.ae