لا يختلف اثنان هذه الأيام خصوصا ، أولئك الذين يتابعون الوضع اللبناني عن كثب حيث يكتشفون ان الأمور وصلت إلى خواتيمها وان روائح الكذب التي كان البعض يتحدث عنها في الكواليس أصبحت ساطعة كعين الشمس وان ما كان يقال عنه هرطقة وخيالا بات حقيقة موجعة للذين كانوا يطلقون مثل هذه الشائعات ويضعونها أمام الرأي العام على انها القضاء والقدر وانها ثوابت لا يرقى إليها الشك وكانوا على أساسها يتوجهون إلى المجتمع الدولي لاستصدار القوانين ضد هذه الجهة او تلك
وذلك لاستكمال الهيمنة على ما تبقى من مفاصل الدولة التي باتت تحت سيطرة هذا الفريق الطامح إلى السلطة والإجهاز عليها مستثمرين التعاطف الدولي والتأييد العارم بعد فاجعة اغتيال الشهيد رفيق الحريري الذي كان خسارة للوطن وللبنان والأمة بأسرها.
منذ أشهر قليلة ماضية انفجرت أزمة عنيفة على خلفية اكتشاف مقبرة جماعية في منطقة عنجر في المنطقة المحاذية للحدود اللبنانية السورية. وأخذت هذه الأزمة حساسيتها العالية لان هذه المنطقة كانت مقرا لمسؤول القوات السورية التي كانت عاملة في لبنان قبل انسحابها من هذا البلد بعد الزلزال السياسي الكبير الذي أدت مفاعيله الكارثية إلى ما أدت إليه من توتير للعلاقات بين البلدين الشقيقين اللذين كان الرئيس الراحل حافظ الأسد يقول عنهما قولته الشهيرة «شعب واحد في دولتين»
وكان هذا البعض يعتقد وأوهم نفسه وأوهم الآخرين ان المسؤول السوري كان يفعل بخصومه كما كان يفعل الجنرال المستبد في رواية «خريف البطريق» للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز حيث كان يفتك بخصومه بأبشع الطرق ويرميهم أشلاء في المجهول.
ولكن الصدمة الكبرى بالنسبة لهؤلاء الذين تركوا أنفسهم نهبا للثأر والحقد الذي اعمى قلوبهم وبصائرهم وتركهم فريسة للأهواء القاتلة ان التقرير الذي تم انجازه في احدث المختبرات العالمية عاد بنتائج أذهلت الجميع حيث برئت ساحة الذين كانوا متهمين بهذه الجرائم وان مقبرة عنجر مضى عليها أكثر من 350 سنة وان آخر جثة دفنت في هذه المقبرة الإسلامية دفنت فيها منذ خمسين عاما وفق التقرير الرسمي الذي أعلنه مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا بجرأة وشجاعة نعتبرها نادرة في هذا الزمن الأسود
بل ان اليقين يذهب إلى التأكيد ان النزاهة الأخلاقية الموجودة بمثل هؤلاء القضاة الأنقياء والأصفياء يؤكد ان هذه الدنيا بألف خير وان حبل الكذب قصير ولا خوف على الحق مهما طال الزمن. كنا نتمنى ان يعود الناس كل الناس إلى رشدهم ويتخلصوا من نظرية الاستنجاد بالخارج على مواطنيهم وأخوتهم في الوطن والدين لان هذه النظرية تم تطبيقها في الماضي ولم تنجح
بل جلبت الويلات والكوارث والدمار على الجميع لا يزال الوطن بأسره يحصد نتائجها حتى هذه اللحظة ومازال البعض منهم يعيش عقد الماضي البغيض ويدور في فلكه ولا يستطيع الخروج من شرنقته بينما المصير أصبح معلقا على كف عفريت والمستقبل أصبح حقيبة سفر كما يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش بات يحلم به الشباب.
ان منظر البلدوزرات التي استنفرت في حينها في منطقة عنجر إضافة إلى كثافة المواقف السياسية التي سال حبرها في الصحف وعلى الفضائيات كان كفيلا بهدم كل الثوابت والقناعات الراسخة لان موجة التشهير التي سيطرت على عقول الجميع زعزعت ما في النفوس وقلبت كل القناعات. المطلوب الآن ان يتعظ الجميع من هذه التجربة القاسية وإذا كانت البراءة قد كشفت المستور
فان الأجدى ان يعود كل المعنيين إلى رشدهم لأنه سلام للوطن وخروج من اتون الفتنة التي كان البعض يسعى إليها بكل آسف. ولنردد صرخة غسان تويني التي أطلقها منذ ربع قرن «دعو شعبي يعيش» بعدما كان قد مهد لهذه النظرية بان الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان كانت حرب الآخرين على أرضه.