تبدو ثمة فجوة دائمة بين ما حققته الدولة المصرية على صعيد الديمقراطية، وبين ما راكمه المصريون من خبرات عديدة للنضال الوطني منذ ثورة عرابي مرورا بتجربة الوفد الشامخة والمتعثرة بفعل الاحتلال، فضلا عن ثورة يوليو بكل جذريتها والمشروع التحديثي الناصري في بنيته المصرية الصميمة.
وربما ترجع هذه الفجوة إلى حقيقة ان ما بذله المصريون من ضغوط سياسية على النظام الحاكم «الوطني» في نصف القرن الماضي لم يكن بحجم ما بذلوه من تضحيات ضد «القوى الخارجية»، حيث تبلور الإحساس المصري التاريخي بالسياسة على نحو جمعي يحفزه الاهتمام بالقضايا العامة كالاستقلال السياسي والشموخ العسكري والهوية القومية،
وليس على نحو فئوي تحفزه التنافسات الحزبية والصراعات الطبقية أو حتى انقسامات أولية جغرافية وعرقية ودينية يمكن أن تتجسد في هياكل تنافسية اجتماعية ـ اقتصادية يصوغها الصراع أو التوازن وصولا الى الديمقراطية كآلية سياسية لإدارة هذه التعددية على شتى مستوياتهما، إذ لم تكد مصر تعرف مثل هذه التوازنات إلا مع الآخر خارجها أيا كانت محددات غيريته سواء كانت استعمارية كبريطانيا أو استراتيجية كإسرائيل، أو حضارية كالغرب.
غير أن تلك الفجوة طالما ارتكزت الى أمرين أساسيين كانا يعطيانها فرصة البقاء في حدود الأمان حيث لا توترات عنيفة أو احتقانات عميقة تهز العلاقة بين النخبة الحاكمة وبين المجتمع: الأول هو وجود تحد خارجي من نوع ما كان متمثلا في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وفي المناكفة المصرية للولايات المتحدة والغرب في إطار قيادتها لمشروع التحرر العربي. أما الثاني فيتمثل في نهوض النظام الحاكم بدور الدولة «الراعية» أو الحاضنة للمجتمع ككل وليس الدولة الحارسة التي تكتفي بإدارة الصراع بين الطبقات.
غير أن عوامل التغيير بدأت تهب مع النصف الثاني للسبعينات لتعري تلك الفجوة من ركيزتيها في وقت واحد تقريبا حيث انقلبت النخبة الحاكمة على البنية الاجتماعية للمشروع الناصري، وتخلت عن رعايتها للقاعدة المجتمعية العريضة سواء الفلاحية في الريف، أو الطبقتين الدنيا والوسطى في المدن إذ سلكت طريق الانفتاح الاقتصادي المنفلت الذي أذكى الصراع الطبقي بما يفرضه من تعددية اجتماعية، وانقسامات فئوية.
كما انقلبت على تحالفاتها الخارجية نحو السلام مع إسرائيل والتحالف مع الولايات المتحدة وابتعادا عن قيادة المشروع التحرري العربي الآخذ في التعثر. وكان ذلك الانقلاب على الركيزتين مبررا كافيا للخروج من فلك الدولة الواحدية والنخبة الموحدة التي «ترعى» الجميع الى فضاء الدولة التعددية حيث يدور «التنافس» بين نخب منقسمة في ظل أوضاع جديدة وتصورات مستجدة للعالم.
غير أن الذي حدث ولنحو ثلث القرن كان شيئا مغايرا تماما يمكن تسميته بالنزعة «التلفيقية» لدى النخبة المصرية، إذ تم اختزال معنى الإصلاح ليبقى في أسر دولة أحادية ونخبة مهيمنة، فتم قصر التحرير على الاقتصاد، والرأسمالية في الخصخصة، والإصلاح الهيكلي في بيع القطاع العام،
وفي المقابل تم تجميد ديناميكية السياسة التي يمكن لها ان تدفع أو تكرس للتعددية، ونسف كل التنظيمات المجتمعية التي تفرز مراكز مستقلة للنفوذ أو للقوة السياسية وخصوصا في النقابات المهنية، والتنظيمات الأهلية ثم الأحزاب السياسية. وهنا لم تعد الدولة راعية، كما لم تصبح تعددية وتشوهت علاقتها بالمجتمع ومن ثم خرجت هذه الفجوة «الديمقراطية» تدريجيا عن حدود الأمان ووصلت بالوطن كله الى نقطة الاحتقان في أكثر من لحظة تاريخية.
أولها كان في نهاية السبعينات عندما كان هذا الخروج لا يزال في طور البداية وكان الإصلاح ممكنا لاستيعاب دواعيه التي تمثلت في خروج الدولة المصرية من الصراع العربي ـ الإسرائيلي بحجة إعادة بناء الذات وتحقيق الرخاء للشعب المرهق بفعل الحروب، وكذلك موجة الغلاء الفاحش وتدني مستوى المعيشة التي أصابت جل المصريين فكثرت الاضطرابات التي انتهت باغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وكان منطقيا أن تنشغل مصر حتى نهاية الثمانينات عن حديث الإصلاح بإزالة آثار حادث المنصة وموجة الإرهاب العاتية التي أطلقها.
وثانيها كان بداية التسعينات حيث انتهت الحرب الباردة وهبت على العالم رياح موجة ديمقراطية ثالثة تأخرت عنها مصر بشكل غريب بل شهدت تراجعا واضحا تبدى في انتخابات عامي 1990، 1995 اللذين أنتجا برلمانا يكاد يخلو من تمثيل المعارضة قياسا إلى انتخابات عامي 1984، 1987.
وكان ذلك، مضافا إليه الحصار المضروب حول العراق وعودة العاملين المصريين فيه، دافعا إلى هبوب موجة إرهابية جديدة على مصر استمرت حتى الثلث الأخير من التسعينات، وكشفت عن مدى احتقان هذه الفجوة الديمقراطية، وعمق الحاجة إلى الإصلاح الذي ربما كان ممكنا لا يزال من داخل النخبة.
أما ثالثها فهي اللحظة الممتدة منذ احتلال العراق 2003 والتي يمكن وصفها بـ «غياب الأمل». وهي حالة تولد لدى المجتمعات عندما يتبدى افتقادها للقدرة على الحياة من خلال نموذج قابل للاستمرار تجسده بنية حياتية معقولة على صعيد العمل والسكن والزواج يمكن للجميع تحقيقها بشكل عادى أو طبيعي من دون معجزات أو أعمال خارقة على النحو الذي يحكم شباب المصريين الآن ويدفعهم الى الهجرة أو إلى الوقوف في طابور الانتظار الطويل.
كما تتدعم بفقدان هذه المجتمعات للشعور بقدرتها على السيطرة على مصيرها، وهي حالة يشعر بها المصريون منذ احتلال العراق واستئساد إسرائيل على الفلسطينيين، ما يزهق الشعور بالكبرياء القومي لدى الجماعة المصرية التي امتلكت منذ زمن ،لم يعد قصيرا، إحساسا بالمسؤولية القومية عن العالم العربي، وحساسية شديدة تجاه الدور الإسرائيلي في المحيط العربي.
وإذ يتضافر البعد الخارجي مع البعد الداخلي في عملية غياب الأمل، تدخل مصر نفق الأزمة الشاملة التي تشبه أزمتها بعد حرب فلسطين 1948 والتي استمرت حتى ثورة يوليو 1952 عندما قام الجيش بتدشين الجمهورية الأولى. وهنا يمكن القول بأن فرص الإصلاح من داخل النظام قد إستهلكت، وربما يعطينا الدور الذي يلعبه «نادي القضاة» الآن مدعوما بنقابتي الصحافيين والمحامين، أملا في حركة مصرية نحو جمهورية جديدة مدنية وديمقراطية.
كاتب مصري