عندما نشر صموئيل هنتنغتون بحثه الشهير حول صدام الحضارات عام 1993 في مجلة الشؤون الدولية، أشار إلى أن السياسة العالمية قد دخلت طوراً جديداً له شكل متميز من الصراعات ليس على أسس ايديولوجية أو اقتصادية وإنما على أسس ثقافية. وفي هذا السياق أشار إلى وجود ثماني حضارات حية لها دور فاعل ومؤثر في الثقافة العالمية المعاصرة،
إلا أنه ركز على ثلاث منها فقط لكونها أكثر حضوراً من غيرها في صناعة الأحداث في العالم، وهي التي رشحها للتصادم وفق رؤيته الجديدة. والحضارات الثلاث المرشحة للتصادم هي: الغربية والإسلامية والكونفشيوسية، والأخيرة هي الحضارة التي تنتمي إليها الصين الحديثة.
وتختلف هذه الحضارات عن بعضها البعض في خصوصيات عديدة، تتضمن اللغة والتاريخ والتقاليد والثقافة والدين، كما يختلف المنتمون إليها في المظهر الذي يتحدد بطول القامة ولون البشرة ولون الشعر وتقاطيع الوجه وغير ذلك من الصفات. ومنذ رأت ورقة هنتنغتون النور انبرت الكثير من الأقلام في الدول العربية والإسلامية، ولا تزال، لتسود آلاف الصفحات مرشحة الإسلام بأنه الحضارة التي يستهدفها الغرب، وبشكل خاص الولايات المتحدة، بالدرجة الأولى.
هنالك في الحقيقة قدر من الوجاهة في هذا الاستنتاج من حيث كون الإسلام، بإطاره التقليدي كطريقة في الحياة، فيه تعارض مع نمط الحياة الغربية والسلوكية التي تتميز بسيادة الروح المادية والليبرالية في تفاصيل الحياة اليومية. إلا أن وقفة متأملة تستعيد دروس التاريخ وتبحث عن جوهر الصراعات وأسبابها الحقيقية في مختلف الحقب التاريخية توضح لنا أن الأمر ليس كذلك،
فالغرب المعاصر له استراتيجياته الخاصة في تعيين المنافس أو المتحدي الحقيقي لهيمنته، ولا نريد أن نقول الخصم الحقيقي، في الوقت الحالي وعلى الأمد البعيد. قبل الخوض في هذا الموضوع الشائك، لا بد من القول إن هنتنغتون بطروحاته هذه يؤسس لفلسفة جديدة فيها نقطة ضعف أساسية و هي إهمال دور المصالح الاقتصادية كأساس في الصراعات المحلية والإقليمية والدولية،
وهو بذلك يفتح الباب واسعاً، لمن يتفق معه في الرأي، لإعادة كتابة التاريخ على أسس هذه النظرية الجديدة. فمختلف النظريات المعتمدة حول الصراعات في العالم، قديمها وحديثها، تستند إلى الإختلافات في المصالح الاقتصادية. تقبع أمامي ثلاثة تقارير صدرت في عام 2005 عن ثلاث جهات مهمة جداً ولها وزنها الدولي وهي: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالة المخابرات المركزية الأميركية، هذه التقارير حول الناتج الإجمالي المحلي لكل بلد في العالم معدلاً بالدولار الأميركي.
ورغم أن التقارير الثلاثة تختلف حول من هو الأول في التسلسل، أهي الولايات المتحدة أم الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تتفق على أن الصين هي الدولة الثالثة بناتج إجمالي يزيد على ثمانية ترليونات دولار في السنة مقارنة بناتج الولايات المتحدة الإجمالي البالغ قرابة اثني عشر ترليون دولار. وهذه الحقيقة هي الأكثر دلالة لدى استراتيجيي الغرب عمن هو المنافس والمتحدي الحقيقي لأسواق الغرب ومصالحه.
لنر هل يشكل الإسلام والدول الإسلامية فعلاً خطورة على الغرب، وهل يهدد ثقافته واقتصاده وإنجازاته ومستقبله؟. إذا أخذنا المحور الاقتصادي نرى ان أغلب الدول الإسلامية ترزح تحت ديون ثقيلة، فأكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان هي أندونيسيا عليها ديون تبلغ قيمتها 140 مليار دولار،
أما باكستان وهي الدولة الإسلامية الثانية من حيث الحجم السكاني فترزح هي الأخرى تحت عبء ديون قدرها 40 مليار دولار، مصر والعراق وسوريا وماليزيا والجزائر والسودان وغيرها، كلها دول ترزح تحت الديون. فمعظم الدول الإسلامية لها اقتصاد ضعيف وهش، وهي لا تقوى على الاستمرار من غير المساعدات الغربية،
كما أن اقتصادها غير مستقل وإنما يرتبط بالاقتصاد الغربي بوشائج لا مفك منها، فهي بذلك أبعد ما أن تكون منافساً اقتصادياً له على أسواقه. وتسجل الدول الغربية معدلات نمو عالية، كما أن معدل دخل الفرد فيها هو الأعلى في العالم، في حين ان معظم الدول الإسلامية، عدا النفطية منها، تعتبر في عداد الدول الفقيرة.
ولنأخذ محوراً ثانياً، ألا وهو المحور الأمني، فهل تشكل الدول الإسلامية فعلاً تهديداً لأمن الغرب من الناحية العسكرية ؟، الجواب بكل تأكيد هو كلا. فالدول الإسلامية على العموم ضعيفة عسكرياً وقدراتها، في أحسن الحالات، لا تتجاوز القدرات الدفاعية. هنالك بعض الفئات الإسلامية الصغيرة والمنظمة تنظيماً جيداً والتي تتبنى بعض السياسات المناهضة للغرب قد تكون قادرة على إلحاق بعض الضرر بالمصالح الغربية، الأميركية منها بشكل خاص، ولكن هذه الأضرار لا ترقى إلى درجة تهديد أمن ومستقبل الغرب.
ولنأخذ محوراً ثالثاً، وهو المحور الأكثر أهمية، محور العلوم والتكنولوجيا، فليس هنالك وجه للمقارنة، فالهوة بين الدول الأسلامية والغرب هوة سحيقة تتجه نحو الاتساع في جميع الميادين العلمية والتكنولوجية، إذ حتى من أسهم بتميز في التطور العلمي والتكنولوجي من العالم الإسلامي، وهم قلة،
فقد تمكنوا من ذلك في الدول الغربية نفسها وبالمنظومة التخطيطية والفكرية والقيمية التي طورها الغرب، فالدول الإسلامية تلهث راكضة للاستفادة مما ينتجه الغرب في مجالات العلوم والتكنولوجيا. وإضافة إلى ذلك فإن الدول الإسلامية غير قادرة على الحفاظ على العقول المبدعة لديها، فهي تمتلك مؤسسات تسحق العقل وتقتل الإبداع وتسهم في هجرة العقول المفكرة والمبدعة التي تتسرب بكثرة إلى الغرب الذي يتلقفها بشهية مفتوحة.
فهنالك سجل ضخم بأسماء العلماء والمهندسين والأطباء والكفاءات الأخرى الذين هجروا بلدانهم الإسلامية إلى الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبا الغربية. كما أن العديد من الدول الإسلامية متهم من قبل المجتمع الدولي في قضايا أساسية تتعلق بحقوق الإنسان.
والدول الإسلامية ليست دولة موحدة، لها سياسة خارجية واحدة ولها اقتصاد مشترك ولها قوة عسكرية مشتركة، وإنما هي عدد من الدول يربو على العشرات تتكلم لغات مختلفة وتنتمي إلى أعراق مختلفة وتقع في ثلاث قارات، وهي كذلك ليست مساحات جغرافية متصلة ببعضها البعض.
كما أن الأجواء السياسية بينها ليست رائقة بل على العكس من ذلك فهنالك خلافات كثيرة داخل هذه الأسرة نفسها، وصلت في بعض الحالات حد الحروب الطاحنة، كما حصل بين العراق وإيران. كما أن بعض الدول الإسلامية قد دخلت في أحلاف عسكرية مع دول غربية ولم تدخل في تحالفات مع دول إسلامية،
في حين أن الغرب قد ابتعد عن آخر الحروب في ساحته منذ واحد وستين عاماً. وفوق ذلك، ليس هنالك في الأفق البعيد ما يشير إلى احتمال تبدل في الموقف، فإذا كانت هنالك بعض المؤشرات القليلة التي قد تدلل على بدء الانحدار في الغرب فليس هنالك ما يشير إلى بدء نهوض في العالم الإسلامي.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae