من مطالعة النماذج والخبرات، نفهم أن المجتمعات المعرضة للإصابة بلعنة الحروب الأهلية هي تلك التي تحمل في أحشائها تمايزات قومية اثنية أو دينية أو طائفية مذهبية أو إيديولوجية فارقة، وتعجل هذه التمايزات بانفلات المجتمع إلى أنماط الصراع المسلح إذا ما تعامدت مع معطيات أخرى، منها أولا، وجود فوارق بين الجماعات في الاستحواذ على الموارد والأدوار والمكانات الاقتصادية والسياسية.
وثانياً، استدعاء بعض الجماعات أو كلها للمدد والمداخلات الخارجية إسنادا لقوتها في مواجهة بعضها البعض. وثالثا، توفر الاستعداد لدى قوة خارجية للتغلغل في الصراع داخل المجتمع المعني، بما يؤثر في توازن القوى بين جماعاته ويغذي أسباب التباغض بينها.
هذا يعني أن الخلافات السياسية البحتة بين الجماعات وأطرها النظامية (الأحزاب، الحركات، الائتلافيات ..) لا تكفي وحدها لاستثارة الحروب الأهلية الساخنة .. ويفترض أن شعائر الديمقراطية وأدواتها الإجرائية من انتخابات وتداول للسلطة وتدوير للأدوار والمكانات ومساواة في فرص الترقي الاجتماعي والسياسي الاقتصادي بلا تمييز وعلى أساس المواطنة البحتة التي ترقى وتسمو عن كل التمايزات الأخرى الموروثة (العرقية والقومية والدينية الطائفية ..)، يفترض أن هذه الإجراءات تحول دون استشعار جماعة ما للإجحاف ومن ثم عدم الرضاء الذي قد يصل بها إلى التفكير في تحصيل حقوقها بحد السيف.
نطرح هذه التعميمات كي ننبه إلى أن الأصل هو انتفاء دواعي الحرب الأهلية وبواعثها في الحالة الفلسطينية. فالمجتمع الفلسطيني يخلو من التمايزات الإثنية القومية أو الدينية الطائفية أو الثقافية الفاصلة بوضوح بين قوامه السكاني. ولا دليل البتة على افتراق القطاع المسيحي الفلسطيني عن قماشة النسيج الوطني العام،
بل ونهضت الحركة الوطنية الفلسطينية في مختلف مراحلها على أكتاف وجهود قادة من هذا القطاع، حتى أن بعضهم مثل جورج حبش ونايف حواتمة يحظون بتقدير مجتمعي لا يبارى. وفي ثلاثينات القرن الماضي، كان ثلث أعضاء النخبة القيادية الفلسطينية من المسيحيين، فيما لم تكن نسبتهم إلى مجموع السكان أكثر من 10 في المئة.
أيضا، يبدو المجتمع الفلسطيني بعيداً عن شبهة الاقتتال الداخلي على خلفية التفاوت المحتمل في المراتب الاقتصادية أو الاختلاف الكبير في حظوظ جماعاته من الثروات والموارد أو حتى الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية، فالظلامة المتأتية عن النكبة الوطنية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني تكاد تلحق بكل الطبقات والفئات النوعية بلا تمييز. ونحسب أن مقاومة هذه الظلامة وتداعياتها تمثل جدلاً عامل توحيد ونقطة إجماع وطني.
ثم أن هذا المجتمع خاض أكثر من تجربة نظامية سياسية، قام بعضها على الصيغة الجبهوية الحزبية التوافقية (منظمة التحرير)، فيما قام آخر منها على الصيغة الحزبية الانتخابية (السلطة الوطنية)، ولم يعلن طرف من أطراف هذه الصيغ تفضيله لحسم الخلافات الداخلية بالعنف المسلح، وقد يلفت النظر أن التنابذ بين القوى السياسية الفلسطينية غالباً ما كان ينتهي بالتراشق والتلاوم السياسي والإعلامي الدعائي أو حتى بالحرد والمقاطعة السياسية.
وكان ذلك مظهرا مقبولا وصحيا طالما انه ساهم فى تنحية العنف العضوي عن أدوات النزاع بين شركاء القضية والنظام الوطنيين. وفى المرات القليلة التي شهدت عنفا فصائليا متبادلا وبخاصة قبل قيام السلطة الوطنية في رحاب الضفة وغزة، كان من السهل إحالة هذا الشذوذ إلى عوامل خارجية، بحسب الساحة الفلسطينية مفتوحة قسرا أمام متداخلين عرب وعجم لا يتورعون عن افتعال أزمات عليها لأهداف خاصة بهم، لا أكثر ولا اقل.
والحال كذلك، من أين نشأت الأفكار والمخاوف التي تراود البعض راهنا حول تحليق شبح الحرب الأهلية الساخنة في الأفق الفلسطيني؟ مما يجول بالخاطر على هذا الصعيد أن المجتمع الفلسطيني يخلو حقاً من المحفزات الكبرى الشهيرة للحرب الأهلية، لكنه غير مبرأ كلياً من المحفزات الأقل شهرة وخضوعاً للتحليل والتداول،
فالتباينات السياسية بين شركاء أي نظام لا تفضي عادة إلى محاولات كسر العظم المتبادل بالسلاح، لكن ثمة سوابق وشواهد تتعارض مع عمومية هذه القاعدة وتشذ عنها، لعل أكثرها إلحاحاً على الذهن الحالة الجزائرية، التي ما زالت تتفاعل على خلفية عدم التراضي بين الفرقاء رغم الاحتكام لصندوق الاقتراع.
وتبدو بعض الحالات مرشحة أكثر لإشهار السلاح والعنف الدموي إذا ما استند فيها التباين السياسي بين القوى المحلية إلى أصول إيديولوجية واضحة التمايز، هذا هو شأن الحالة الجزائرية راهناً وحالة روسيا غداة سقوط القيصرية بين المنشفيك والبلشفيك سابقاً. ونخشى أن يكون ما بين فتح وحماس قريباً من هذه الحالات في فلسطين!
تشهد الحالة الفلسطينية أيضاً مستجدات طرأت عليها بفعل تلاقي القوى السياسية في مجال جغرافي ومجتمعي واحد ضيق، بما يعظم فرص الاحتكاك بينها. ويغري انتشار السلاح والعسكرة المفرطة الملحقة بهذه القوى مع تعدد مصادر الدعم والولاءات المباشرة بسرعة اللجوء إلى القوة العنيفة، وليس ثمة ضمانة مؤكدة لانعدام وجود الاختراقات الخارجية، لا سيما الإسرائيلية، التي من شأنها إشعال نيران الفتنة في المجال الفلسطيني في اللحظات التي تجد أن مصلحتها تتحقق بهذه الفتنة.
لا تقل النذر بتحول شركاء النظام الفلسطيني من التعامل بالسياسة وأدواتها إلى التراشق بالنيران، عندما نلحظ التنازع السياسي بين مؤسسات وقوى هذا النظام وغموض المرجعيات القانونية الدستورية التي يفترض أن يجري الاختصام إليها والخضوع لها. إلى هذه المؤشرات المقبضة بين يدي المشهد الفلسطيني القائم غداة وصول حركة حماس إلى مركز السلطة وصناعة القرار، ثمة الحصار المقبض ماليا المحيط بهذه الحركة من الخارج والذي تتهم قوى داخلية بالتواطؤ معه بغية إسقاطها وإفشالها ..
وفي أجواء محتقنة كهذه بين أقطاب الحياة السياسية، تمسي أية شرارة صغيرة ناشئة عند احتكاك ما بين القوى الداخلية مدعاة لاندلاع حرائق أكبر هنا وهناك. وتحدث الآن أشياء من ذلك في مناسبات ومواضع مختلفة بالضفة وغزة، تسفر عن وقوع قتلى وجرحى ونشوء ثارات وتوعدات بالانتقام لا تؤمن تداعياتها في الحال والاستقبال، ولا ضمانة لئلا تمسي هذه الصدامات المتفرقة مسلسلا طويلا متواصلا يصعب على العقلاء قطعه واستئصال شأفته.
لا يقوم حديث الحرب الأهلية الفلسطينية على غير أسس ومعطيات مهما بدت محدودة الفعالية والتأثير. وعليه، لا ينبغي الاتكال على المعالجات الصورية التي تنفي إمكانية تحول مستصغر الشرر والاشتباكات بين فتح وحماس وأنصارهما إلى حريق يذهب بريح القضية الوطنية بنيران أهلها. ولا حكمة في الاعتقاد بأن القوى الفلسطينية تعرف الكلفة التي ستبذلها وشعبها جراء تخطي الخطوط الحمراء في مقاربتها لعلاقاتها البينية،
أو الركون إلى أنه لا مصلحة لقوة فلسطينية ما في تعميد وجودها ومكانتها بالدم الوطني، ذلك أن هذه القوى ليست اللاعب الوحيد في المدينة، وليست لعبتها هي الوحيدة أيضا. هناك أطراف تعز عن الحصر تجوب الساحة الفلسطينية طولا وعرضا وتملك أدوات فاعلة، ولا يعرف أحد متى يرى طرف منها أن مصلحته تقتضي إلهاب الساحة بحوار البنادق الوطنية !. لذا لزم التنويه.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
