يعيش شبابنا حالة من السديمية في كثير من الأمور والقضايا، حتى تلك المتعلقة بهم وبمستقبلهم، ولعل أكثر جانب يبدو فيه تذبذبهم وقصور تفكيرهم وعدم نضجهم هو جانب المستقبل الوظيفي؛ فبعض شبابنا من الجنسين لا يملك حق الاختيار في هذا الأمر المصيري، وبعضهم لا يعرف كيف يختار أو يحدد الأنسب له، ويكون جوابه على سؤال بسيط مثل: ماذا تنوي أن تدرس في الجامعة؟ أو ما الوظيفة التي تريد أن تشغلها مستقبلا؟ هو (لا أعرف).
ولا يُقصَد بهذا الكلام عموم شبابنا وشاباتنا، إنما المقصود به فئة ـ غير قليلة ـ منهم، لا يزال مفهوم الوظيفة عندها غير واضح المعالم، تشوبه الكثير من الأفكار غير الصحيحة وغير الناضجة، ولعلنا لن نبالغ إذا زعمنا أن معظم شبابنا من الجنسين لا يدركون معنى الوظيفة على أتم وجه، ولا يرون فيها سوى وسيلة للحصول على المال والاستقلال عن الأهل ماديًا.
ويترتب على هذا القصور في فهم معنى (الوظيفة) وأهميتها والدور المناط بالشخص القائم بها (الموظف) سلبيات كثيرة، يعاني منها الفرد والمجتمع لسنوات، منها على سبيل المثال وجود أشخاص غير مناسبين في مكان غير مناسب لهم، أو لتخصصاتهم، أو لمؤهلاتهم (إن وجدت). وكذلك وجود أشخاص عاطلين عن العمل إما نتيجة عدم وجود مرشد يرشدهم ويفرش أمامهم الخيارات الممكنة والتي قد تتناسب معهم فيجدون فيها أنفسهم، أو نتيجة عدم توجيههم من قِبَل جهات متخصصة نحو التخصصات المطلوبة.
وفي الوقت الذي يصل فيه عدد من الشباب إلى عتبة الحرم الجامعي وهم لم يحددوا بعد التخصص الذي ينوون دراسته، نجد في المقابل عددًا غير قليل أيضًا من الشباب يتركون مقاعد الدراسة الإعدادية أو الثانوية للالتحاق بالجيش أو الشرطة أو لمزاولة الأعمال الحرة، دون أن يدركوا أهمية الشهادة، وأنها سلاح ووقاية من نوائب الزمان التي لا يحيط بها الإنسان علما.
وفي ضوء هذا التصنيف الواسع لشبابنا الذين لا يستطيعون تحديد مستقبلهم بوضوح لسبب أو لآخر يمكن الوقوف على الكثير من القضايا الفرعية التي ترتبت على حالة السديمية الوظيفية التي يعيشها شبابنا، والتي تجعل اختياراتهم متذبذبة بين العشوائية والارتجالية، والاستسلامية.
وتبدو أروقة الحرم الجامعي مكانًا خصبًا للتعرف إلى حالات كثيرة من الطلاب والطالبات الذين لا يعرفون سبب وجودهم في الجامعة، أو الذين لا يعرفون ماذا سيصبحون بمجرد الحصول على الشهادة الجامعية، وهذا يعكس عدم ترسيخنا لقيمة التحصيل العلمي في نفوس أبنائنا.
ومن زاوية أخرى يمكن أن نكتشف عدم إدراك بعض شبابنا لقيمة المؤهل العلمي الذي يخوّل الفرد الحاصل عليه لشغل وظيفة ما؛ فمعظمهم يظن أن حمل شهادة جامعية يُعدّ مؤهلاً علميًا يجب أن يُقبل به وأن يُوظَّف على أساسه، بغضّ النظر عن التقدير الذي حصل عليه فيه، والذي يتميز به عن غيره ممن يحملون الشهادة ذاتها ولكن بتقدير مختلف، لذلك نجدهم يكتفون بدرجة النجاح ولا يسعون لأكثر من ذلك، لقناعتهم بأن مجرد الحصول على الشهادة يعني الحصول على الوظيفة، دون إقامة أدنى وزن للتقدير.
ومن الأفكار المجافية للصواب التي تجد لها أعشاشًا كبيرة في أذهان عدد من شبابنا فكرة الاعتقاد بأن (المواطَنَة) تخوّل الشخص لشغل أي وظيفة يريدها، في تجاهل تام للمنطق الذي يقول إن المفاضلة يجب أن تكون على أساس الكفاءة وتوافر المؤهلات العلمية المناسبة.
أما الشباب ـ أو المراهقون ربما ـ الذين يبدأون التفكير في الوظيفة وهم لا يزالون على مقاعد الدراسة الثانوية، وأحيانًا الإعدادية، فأعتقد أن عددهم غير قليل، وغالبًا ما يكون سبب تخليهم عن الدراسة والبحث عن الوظيفة في هذه السن أحد أمرين: إما الرغبة في الحصول على دخل مادي شهري، أو الهرب من الالتزامات المدرسية.
وهذا الهروب المبكر من مقاعد الدراسة نحو الوظيفة التي تكون بمنزلة الحلم في تلك المرحلة يعكس عدم إدراك هؤلاء الشباب لأهمية الشهادة العلمية، كما يعكس انعدام صفة الطموح بين الكثير من أبنائنا؛ فهم لا يوجهون ليكونوا طموحين، يضعون نصب أعينهم هدفًا معينًا ويسعون إلى تحقيقه باذلين كل شيء في سبيله، بل على العكس من هذا، تتم مسايرتهم، وتُقدَّم التسهيلات لهم في كل شيء، حتى فيما يتعارض مع مصلحتهم.
وعندما يبدأ الابن -في أي مرحلة دراسية- التلميحَ برغبته في ترك الدراسة والبحث عن عمل لا يجد معارضة جادّة من قِبَل الوالدين غالبًا، لذلك نجد شبابًا مواطنين لا يحملون شهادة جامعية، ناهيك عن الشهادات العليا. ويقع اللوم الأكبر في هذا على الوالدين لأنهما الأعلم بمصلحة أبنائهما، ويجب عليهما توجيههم الوجهة الصحيحة، وعدم الاستجابة لمطالبهم المتعارضة مع مصلحتهم.
أما فكرة الخضوع لرغبات الآخرين في اتخاذ قرار المستقبل الوظيفي فمثاله الواضح ما نجده من اكتظاظ كليات التربية عندنا بالطالبات، لأن معظم الأهالي يسمحون لبناتهم بالعمل، لكن بشرط عدم الاختلاط بالرجال، وليس أفضل من مهنة التدريس تحقيقًا لهذا الشرط.
وقد امتدّ تأثير هذا الاختيار الموجّه لوظيفة المستقبل ليمسّ جوانب كثيرة في المجتمع سلبًا، متسببًا في سوء أداء بعض المعلمات في وظائفهن لانعدام الرغبة فيها، وانتشار ظاهرة التقاعد المبكر بين المدرسات المواطنات، أو كثرة لجوء المدرسات المواطنات إلى استنفاد الإجازات المرضية وغيرها للتخفف من أعباء الوظيفة إلى أقصى حد ممكن، وتأخر توظيف الخريجات في وزارة التربية والتعليم،
فارتفعت أصواتهن مطالبة الوزارة بتوفير وظائف لهنّ بعد أن طال انتظارهن وما من بارقة أمل، مع أن هؤلاء الفتيات لو استجبن لرغباتهن الداخلية لكُنّ الآن في مواقع وظيفية أخرى، دون انتظار وظيفة يصعب التنبؤ بإمكانية الحصول عليها. إن الدور المنوط بكل فرد في المجتمع تأديته من خلال الوظيفة هو خدمة بلاده بأداء العمل الموكل إليه بأمانة وإخلاص، مع الحرص على المصلحة العامة كحرص الفرد على مصلحته الخاصة.
وقلة فقط من شبابنا يدركون هذا، وينظرون إلى الوظيفة نظرة واعية، ترى فيها شكلاً من أشكال النمو الفكري والاجتماعي والنفسي، وتدرك أن اختيار وظيفة بعينها من بين الوظائف الكثيرة المتاحة للتخصص فيها ودراستها ـ أو لترك الدراسة من أجل الالتحاق بها ـ يمثل انعكاسًا للذات أمام الآخرين، مما يوجب التأني وحسن الاختيار. وهذا مؤشر لحاجة شبابنا إلى توجيه وإرشاد مبكرين وتهيئة للمرحلة الحرجة التي يتوجب على كل واحد منهم فيها اختيار موقعه على خارطة المستقبل.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com