لأن أميركا مجتمع مستوطنين فهي تكرس دائما المبدأ الذي يقول: «الويل للمغلوب». ففي ظل مجتمعات الاستيطان لا مجال للتفاهم ولا أنصاف الحلول ولا التوافق بين الآراء، القاعدة المعمول بها هي قاعدة الغالب والمغلوب، وهذه القاعدة التي تقول بأشكال وصيغ شتى: «تتسع ممتلكاتي بالقدر الذي يصل إليه عيار بندقيتي».

لا عجب أن يستخدموا في مجال السياسة وفي ساحة التطبيق أو الممارسة الديمقراطية مصطلحات لها دلالتها التي لا تخفى في هذا الصدد، مصطلحات من قبيل: السباق الرئاسي والجولات الانتخابية، والمرشح الغريم، وليس مجرد المرشح المنافس أو المتسابق الآخر... الخ.

وفي ضوء هذه المفاهيم تبلورت القاعدة السياسية التي تفيد بأن المرشح الذي يفشل مرة في انتخابات رئاسة الدولة، عليه أن ينزوي قانعا بأضواء خافتة أو أن يخرج من حلبة الممارسة السياسية تماما، مكتفيا بتوصيف يشير إليه، بقدر لا يخفى من الإهمال، بأنه مرشح رئاسي، (سابق)، ولهذا لا يكاد الناس يذكرون أسماء المتنافسين الذين لم تسعدهم حظوظهم وفاز عليهم الرؤساء الذين عرفتهم أميركا والعالم ولو بفوارق ضئيلة،

ومن يذكر الآن مثلا السياسي ويلكي الذي نافس روزفلت أو السياسي ديوي الذي نافس ترومان أو دوكاكيس الذي نافس بوش ـ الأب أو غيرهم كثير؟ ربما كان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو ريتشارد نيكسون، لقد حمل لقب المرشح الرئاسي السابق ـ الفاشل طيلة سنوات الستينات بعد أن فاز عليه جون كينيدي،

ورغم أن نيكسون نفسه كان سياسيا أكثر حنكة خاصة وقد تولى منصب نائب الرئيس (أيزنهاور) على مدى فترتين قوامهما 8 سنوات. لكن على خلاف الأعراف المتبعة، عاود نيكسون الترشيح للرئاسة وفاز في عام 1969 إلى أن أخرجته من جنّتها فضيحة ووترجيت الشهيرة قرب منتصف السبعينات، ورغم أن حالة نيكسون كانت هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة كما يقول المثل الفرنسي ـ إلا أن أميركا تشهد الآن حالة تكاد تكون مماثلة وهي حالة آل جور نائب الرئيس كلينتون (سابقاً طبعاً) والمرشح الذي فشل أمام الرئيس بوش ـ الابن في سباق عام 2000.

يصدق على حالة السيد «آل جور» مثل أميركي شعبي أو متواتر يصفه بقوله «إنه الفتى العائد» بمعنى العودة إلى وهج الضوء أو إلى مقدمة المسرح أو إلى بؤرة الاهتمام العام. وقد لا يعنينا كثيرا، من منظورنا العربي أو حتى الشرق أوسطي، أن نمعن في رصد أو تدارس حالة سياسي أميركي يجهد في العودة إلى بقعة الضوء ـ إلا أن الذي يعنينا هو أن نلاحظ أن الرجل اختار لهذه العودة أن تتم بأسلوب جديد، وربما مبتكر إلى حد بعيد.

لقد كان بوسع الرجل مثلا أن تتم محاولته تلك وقد أحيطت بحملة دعائية شديدة التكثيف يشهرون فيها أسلحة التكرار، ودق الطبول، وترديد الشعارات وسرد الأمجاد والتوغل في الاتصالات والتربيطات وبث رسائل إعلامية أقرب إلى القذائف الاتصالية الموجهة، إلى آخر ما تفتقت عنه عقلية دهاقنة الإعلام وبيوت العلاقات العامة المتخصصة في أميركا بالذات. لكن الذي استرعى اهتمامنا ـ ونحن نتابع الشأن الأميركي العام عن قرب في هذه الأيام ـ أن السيد آل جور اختار لعودته أو محاولة عودته إلى مقدمة المسرح العام أسلوبا مستجدا ومرتكزا على أساسين:

الأول أنه عاد وقد تبنى قضية محورية وبالغة الخطورة، لا بالنسبة لوطنه الأميركي فقط، بل بالنسبة للعالم ـ للكوكب الأرضي الذي نعيش فيه. وهي قضية التساخن أو الاحترار الكوكبي أو ظاهرة الدفيئة ـ الصوبة التي تفيد بالارتفاع التدريجي والمطرد في درجة حرارة كوكب الأرض بكل ما يعنيه ذلك من أخطار تهدد ارتفاع منسوب سطح الماء والمحيطات ومن ثم غرق أقطار ودول جزرية بأكملها، وإغراق أكثر من دلتا لأكثر من نهر كبير في طول العالم وعرضه، فضلا عن تهديد صحة كائنات خلق الله سبحانه وتعالى من إنسان وحيوان ونبات.

الثاني، أننا بإزاء سياسي تحاشى أن يبلغ رسالته تلك من خلال الخطب أو المقالات الإعلامية أو البيانات السياسية التقليدية، ولكنه اختار السينما بوصفها أسلوبا بالغ التأثير من جهة وجامع الفعالية من جهة أخرى بمعنى أن يحقق الغايات المبدئية الثلاث التي يتوخاها الاتصال الإنساني وهي: المعلومات والتثقيف والترفيه في آن معا.

ويحسب لآل جور أن قضية كوكب الأرض وما أصابه من أدواء نتيجة سوء السلوك البشري كما قد نسميه، ظلت على رأس أجندة اهتماماته أيام كان نائبا للرئيس كلينتون على مدار التسعينات وقد نشر فيها كتابات وأشرف على إصدار دراسات. ورغم أن هناك من المحللين السياسيين في الولايات المتحدة من يغمز من قناة الرجل (الكاتب آدم ماعورني مثلا) ملمحا بأن معاودة آل جور لأنشطته ما هي سوى محاولة مستجدة لمغازلة المنصب الرئاسي في انتخابات عام 2008 المرتقبة،

إلا أن الفيلم الذي أشرف عليه آل جور ـ لدرجة القيام بالدور الأساسي في أحداثه ـ جاء عملا فنيا ممتعا وجادا ومشوقا ومفيدا لدرجة أن لقي ترحيبا واسع النطاق حين شاهده النقاد في مهرجان كان السينمائي الدولي، المعقود في شهر مايو الماضي وكان عنوان الفيلم هو: «الحقيقة التي لا تريح أحداً» بمعنى الحقيقة التي تبعث على القلق وينبغي أن تثير الانشغال.

وقد بلغ الإعجاب الفني بفيلم النائب السابق للرئيس الأميركي الحد الذي جعل كاتبا صحافيا آخر (جون تيرني ـ نيويورك تايمز، عدد 26 ـ 5) يرشح الفيلم لجائزة الأوسكار على 100 دقيقة «من الإنجاز العلمي السينمائي» بيد أن هذا الإعجاب لم يحل بين الكاتب الأميركي المذكور وبين انتقاد آل جور شخصيا قائلاً: إن آل جور ليس شخصية ظريفة بالضبط في سياق الفيلم ـ

فما زال يقف واعظا ومتخشبا فما بالك عندما يحاول أن يكون خفيف الظل، مع ذلك فأنت لا تملك سوى الإعجاب به على تمسكه المدهش بالآراء التي ما برح يعتنقها وعلى الدعوة التي يريد أن يبثها للناس خاصة وقد ثبت أنه على حق بالنسبة لقضية مهمة ملخصها أن الاحترار ـ التساخن العالمي خطر داهم لا بد وأن ينشغل به الجميع.

كاتب مصري