ربما لاحظ معظم الذين تابعوا اختطاف الدبلوماسي الإماراتي في بغداد بأن الخبر مع أهميته وخطورته لم تسلط عليه الأضواء كثيرا من الناحية الإعلامية العالمية وربما لم تذكره كما كانت تفعل عند اختطاف رعايا الدول الأخرى، اللهم إلا مرورا سريعا.
وقد يعود ذلك لأسباب عدة، منها كثرة ازدحام أخبار الساحة العراقية بأخبار المقاومة التي لا تضعف شوكتها وبداية مسؤولية الحكومة الجديدة وفضائح المارينز الأميركيين في مدينة الحديثة .
وما يتعلق بها من القتل البارد لعائلات فقيرة معدمة لا حول لها ولا قوة لجأت مع أطفالها هربا أمام قصف نيران المدافع والطائرات الأمريكية إلى بيوت عديمة الماء والكهرباء والمنافع... فقضي عليها بأسرها..
فمقابل عشرات القتلى ومئات الجرحى الذين يسقطون يوميا فإن مسألة اختطاف واحدة لرجل واحد لم تعد بذلك الخبر المثير للصحافيين والإعلاميين والقنوات الفضائية العالمية. وقد يكون السبب أيضا أن المختطف يتبع جنسية عربية.أي، بمعنى آخر، دعوا العرب يحلون مشاكلهم فيما بينهم أولا.
لكن السبب الذي ربما اتفق عليه الجميع في عدم تغطية الخبر بشكل واسع يعود أولا وأخيرا لحكمة السياسة والدبلوماسية القديمة التي عرفت بها دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيام الاتحاد في حل مشاكلها التي تواجهها بصبر وحكمة وهدوء اعتمادا على سمعتها الطيبة التي عرفت عن أهل الإمارات مع جميع شعوب العالم وخاصة العربية.
لا نشك أن التعليمات العليا قد صدرت بعدم التعرض كثيرا للحدث إلا بقدر معقول بعيد عن الإثارة والإشاعات التي قد تعرقل الجهود الدبلوماسية التي تحركت لها كافة الجهات الرسمية على كافة المستويات بكل ماأوتيت من قوة بدءا من صاحب السمو رئيس الدولة إلى صاحب السمو نائبه إلى أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات.
ولا نستطيع إلا أن نشير إلى حنكة وزير الخارجية سمو الشيخ عبد الله بن زايد في اتصالاته الهادئة على جميع الأصعدة لحل تلك الأزمة التي لا تستحقها دولة الإمارات، والتي لولا طول باله وتمثيله لسياسة الحكمة التي رسمها له قبله والده الشيخ زايد رحمه الله، لكان من الممكن أن يصل الأمر إلى نهاية مفجعة ومأساوية لذلك الدبلوماسي الإنسان ولعائلته.
كما إننا جميعنا لاحظنا بأن وسائل الأعلام المحلية لم تتعد الخطوط الحمر في الحديث عن اختطاف ذلك الدبلوماسي الذي ذهب أساسا في مهمة لا تتعدى كونها إنسانية عربية ومسلمة خالصة.
وظلت وسائل الإعلام بدولة الإمارات تؤكد مرارا وتكرارا على أن تلك الحادثة لا تمس ولن تمس لا من قريب ولا من بعيد بالعلاقة الخاصة التي تربط بين أهل الإمارات وأهل العراق سواء منهم من يعيش في أرض المحنة أم على أرض الأمن والمحبة:
دولة الإمارات. (وأخص هنا بالذكر الإعلامي المتميز الذي أدار حواره مع المستمعين على الهواء مباشرة حول هذا الموضوع وبشكل لا يخلو هو أيضا من دبلوماسية الإعلامي المتمرس وهو: عبدالله راشد بوخصيف من راديو الرابعة).
كما إن الإفراج عن الدبلوماسي الإماراتي المختطف بتلك السرعة يؤكد مرة أخرى على براعة هدوء دبلوماسية هذه الدولة التي لا تمثل شيئا أمام تاريخ دبلوماسية الدول الكبرى التي فشلت في مثل تلك المواقف المتأزمة، فهاجمت و اتهمت وتحدت وعاندت وتصلبت في مواقفها وبالتالي ذهبت دماء مواطنيها هدرا، ولم ينفع بعدها لا الندم ولا الصراخ ولا رد أرواح مواطنيها.
و أيا كان الثمن، فإن إنقاذ حياة كائن بشري واحد يمثل إنقاذا لكل البشرية وقتلها يمثل قتلا للبشرية جمعاء، كما شدد على ذلك القرآن الكريم. وفي هذه المواقف الصعبة لايوجد وقت للمساومة، فهي مسألة حياة أو موت إنسان بريء.
إن إنقاذ حياة ذلك الدبلوماسي تستحق الوقوف عندها قليلا. لأنها أشعرت كل مواطن يعيش على هذه الأرض بأن حكومته تقف خلفه وأنه أيا كان وأينما كان فهو في أمان.
إن تاريخ دولة الإمارات مليء بمثل تلك المبادرات وغيرها من المواقف التي ـ لو تمت دراستها والاستفادة من نتائجها الإيجابية - لصلحت لأن تكون أساسا لحل الخلافات العالقة بين الشعوب فيما بينها وبين البشر في علاقاتهم فيما بينهم.
إن المصالحة مع الآخر ومع النفس هي قمة الحكمة وقمة المبادئ. وإن السلام في العالم لا يأتي ولن يتحقق من خلال وسائل القتل والصراخ والتهديد والتحدي والمكر وتغليب المصلحة الخاصة ولا من خلال الاحتلال والجيوش المؤلفة ولا باستخدام القنابل الذرية، ولا بأقوى الأسلحة الفتاكة التي أثبتت عدم فاعليتها لحل الصراعات والخلافات بين الدول.
إن السلام بين الشعوب يأتي من حب الآخر والكرم معه حتى ولو كان معتديا. فقدمت الإمارات مساعداتها المادية والمعنوية لكل الشعوب وفي أصعب الأوقات. والسلام لا يأتي إلا من خلال العدالة. والسلام لا يأتي إلا من خلال التضحية للآخر والوقوف معه في أوقات الأزمات.
لذا لا نجد اليوم بين دولة الإمارات وجاراتها أي نزاع حول شبر واحد من الحدود الرملية الوهمية حتى ولو كانت مليئة بالذهب والفضة. فقامت بتسوية جميع خلافات الحدود دون تعنت ودون طمع، بنفس الحكمة والهدوء والدبلوماسية والصبر وطيبة القلب والكرم الذي حلت فيه أسر دبلوماسينا في بغداد.
ربما نضيف الآن سببا آخر لعدم تناول وسائل الإعلام العالمية لهذا الخبر بالتركيز والإسهاب، وهو أنها كانت مقتنعة من أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليس لها أعداء على وجه الأرض.. وأن الدبلوماسي المختطف في أمان.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com