في صبيحة يوم الثلاثاء الماضي دهست دبابة أميركية عدة سيارات مدنية في منطقة خيرخانة شمال العاصمة الأفغانية كابول، فقتلت شخصاً وأصابت خمسة آخرين..

الحادث يقع مثله كل لحظة في كل مكان، لكن الذي أعقبه لا يقوم به الا الأميركيون والإسرائيليون تقريباً.. المصابون احتجوا لدى طاقم الدبابة على تهورهم في القيادة ما أدى لمقتل زميلهم.. فكانت النتيجة قيام الجنود الأميركيين بالإجهاز على المصابين وقتلهم جميعا.

بعدها تجمع مواطنون كثيرون وهاجموا كل ما هو أميركي وحكومي، اتجهوا إلى السفارة الأميركية المحصنة فوجودوا كل أعضائها قد غادروها لمكان مجهول، اتجهوا إلى القصر الرئاسي للاحتجاج فقابلهم الأمن بالرصاص فقتل بعضهم على حد وصف ناصر عطائي عضو مجلس الشيوخ الأفغاني الذي أضاف أن «رد الفعل الشعبي ناتج عن تراكم الانتهاكات الأميركية ضده وازدرائها له».

هذه الانتفاضة الشعبية ضد الأميركيين وحكومة حامد قرضاي تؤكد للمرة المليار أنه «لا يوجد احتلال جيد وآخر سيئ».. الأسوأ فقط من الاحتلال هم العملاء الذين يساعدونه أو يروجون له، وأولئك الذين يناقشون خيانتهم باعتبارها وجهة نظر.

وبالطبع فإن انتقاد قرضاي لا يعني الدفاع بالمرة عن حكومة طالبان السابقة، فالأخيرة لم تكن حكومة ملائكة، بل ان سياستها المتحجرة وتشددها المبالغ فيه استغله كثيرون للإساءة إلى الإسلام وسماحته.

المفارقة في أحداث الثلاثاء الماضي ليست اكتشاف سوء الاحتلال، فهو حقيقة لا يجادل فيها الا الجهلاء أو العملاء، بل ان غالبية المحتجين على الاحتلال كانوا من الطاجيك الذين لعبوا الدور البارز في مساعدة الأميركيين ضد طالبان، وبعد الغزو شكلوا مع قرضاي العمود الفقري الذي اعتمد عليه الاحتلال. وأصبحوا يسيطرون على قطاعات حيوية ومناصب كبرى في الجيش والأمن.

في الفترة الأخيرة حاول قرضاي إعادة النظر في خريطة القوى الراهنة بما لا يعطي للطاجيك أو «تحالف الشمال» أكثر مما يستحقه خاصة في ظل اكتساب طالبان للمزيد من الأرض والتعاطف كل يوم بعد أن خبر المواطنون حقيقة الاحتلال وأعوانه على أرض الواقع.. نية قرضاي أثارت حفيظة الطاجيك، فبدأوا في الانقلاب عليه.

بل والحديث عن سوء الاحتلال هؤلاء القادة لم يثوروا ضد الاحتلال بسبب همجيته أو دهسه المواطنين وقتلهم عمداً وحرق قرى بأكملها، لكن لان نصيبهم في السلطة بدأ يضمحل.

أذن المسألة من مبدئها لمنتهاها كعكة سلطة وليس تحرير شعب، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار التقارير الدولية التي تتحدث عن عودة ازدهار زراعة وتجارة المخدرات في أفغانستان مرة أخرى وتحت رعاية بعض من كانوا قادة ميليشيات وصاروا مسؤولين.

ما حدث في افغانستان كان تحالفا هشاً صنعته الولايات المتحدة على عجل، لم يكن مبنيا على مبادئ أو نظرة مشتركة للأمور أو أرضية صلبة، ولذلك فإن تفككه هو مسألة وقت.

هذا المبدأ الأميركي في أفغانستان، أو التحالفات الهشة في اللحظات الأخيرة ما قبل الغزو، صار قانوناً أميركياً في العراق أيضا عندما جمعت الشامي على المغربي.

وصار الذي جاء على دبابة أميركية في سلة واحدة مع قادة شيعة عاشوا وعشقوا إيران ومعهم بعض قادة الأخوان المسلمين السنة وأكراد وشيوعيون، كل هؤلاء لم تجمعهم فقط كراهيتهم لصدام حسين، بل حبهم للسلطة، والآن.

وبعد أن بدأت الغشاوة تنزاح عن بعض العيون، وجدنا حلفاء الأمس يتقاتلون معاً، ونرى الآن كيف ان انصار الخندق الواحد في البصرة يتقاتلون من أجل فرض اتاوة على شاحنة أو فدية مخطوف أو سعيا لمنصب وزاري.

نفس المثال تكرر مع اختلاف التفاصيل في لبنان بعد اغتيال الحريري، الأصدقاء السابقون تفرقوا، والاضداد اتحدوا في مشهد عبثي يندر ان يصل إليه خيال صامويل بيكت أو حتى فرانز كافكا.

جزء كبير من قادة السنة صاروا في سلة واحدة مع القوى التي كانت «انعزالية» والقوى التي كانت «تقدمية واشتراكية» والثلاثة صاروا في معسكر أصدقاء أميركا ينتظرون الانقضاض على كل السلطة، في حين أن الذي كان محسوباً على الأميركيين تحالف مع حزب الله وحركة أمل ربما في محاولة لمغازلة مقعد الرئاسة في بعبدا.

نفس سيناريو القانون الأميركي نرى مشاهده الأولى أيضا الآن في الصومال.. كل أعداء الأمس من قادة الميليشيات اتحدوا فجأة تحت الراية والأسلحة والتمويل الأميركي بهدف محاربة قوة «المحاكم الإسلامية» التي اكتسبت شعبية كبيرة، بعد أن يئس الصوماليون من الميليشيات وعبثيتها.

قد نفهم سعي الولايات المتحدة لحماية ما تقول إنها مصالحها وقد نفهم سر التخبط الأميركي في أفغانستان والعراق والصومال وكل مكان آخر بسبب «غشومية» واندفاع أعصاب المحافظين الجدد التي لا تنظر إلا بعيون إسرائيلية، لكن ما هو عذر العملاء والسذج والمخدوعين، لماذا لا يجربون لمرة واحدة الرهان على شعوبهم لتغيير الأنظمة الرديئة؟

يا أيها المخدوعون اعتمدوا على أنفسكم، البضاعة الديمقراطية الأميركية الوحيدة المتاحة الآن كانت في أبوغريب وغوانتانامو وتحت جنازير الدبابة الأميركية في كابول.. فاتعظوا!

emadiraqi @yahoo.com