رأى ويرى الكثير من المحللين، في مجالات العلوم الاقتصادية والدراسات الإنسانية المختلفة، أن حكومات الولايات المتحدة، وبالذات الحكومة الحالية، لا تتمتع بشيء من الحكمة في سياساتها الخارجية.
وذلك على العكس من الدول الغربية التي سبقتها في تاريخها الاستعماري، والتي هي بالرغم من سعيها إلى السيطرة على أراضي الآخرين وثرواتهم، إلا انها تمتلك رصيداً معرفياً كبيرا فيما يتعلق بالكيفية التي أدارت بها شؤونها في مستعمراتها السابقة.
كما ان تلك الدول تأخذ بعين الاعتبار، وبسبب رصيدها المعرفي، الإطار الثقافي الذي تتحرك من خلاله. فحين كانت بريطانيا تستعمر السودان، كما يذكر بعض السودانيين، كان جنودها، حين يدخلون القرى على ظهور الجمال، يترجلون قبل الوصول إلى القرى، وذلك حرصا على عدم استباحة سكان البيوت بأنظارهم لأنهم كانوا في مكان أعلى منها.
ولست هنا بصدد الدفاع عن الممارسات الاستعمارية، أياً كانت، أو التسامح تجاه بعضها وإدانة البعض الآخر، إنما أردت القول فقط ان الدول الاستعمارية تختلف في تجاربها وفي قراءاتها للأمور. لكن مرحلة الاستعمار الحالية للدول التي تحتلها أو تسيطر عليها الولايات المتحدة، تشي بدرجة كبيرة من عدم الإدراك، سواء للمحيط التي تتعامل معه، أو حتى للنتائج التي تحصدها جراءها.
فكما قال أحد المحللين الاقتصاديين الأميركيين مرة في حديث إذاعي، ان الولايات المتحدة، وبخاصة في السنوات الأخيرة، قد أصبحت تقلص من مساحات أسواقها .
وتقلل من عدد مستهلكي منتجاتها، بما تمارسه من سياساتها العسكرية والتي تشن الحروب من خلالها على دول عديدة في العالم حيث تزيد بذلك من مساحات الفقر والتجويع وتجعل البشر في الكثير في وضع اقتصادي متدهور، لا يسهم بالتالي في تنشيط الاقتصاد العالمي.
هذه السياسات المستبدة أيضا تزيد من كمية الكراهية التي يحملها الناس للولايات المتحدة ولسياساتها الخارجية، مما يشكل وقوداً جيداً لكل الحركات المناهضة لتلك الدولة ويجعل الأرض أكثر خصوبة لمحاربتها.
وهذا الدرس لا يبدو ان الولايات المتحدة تعيه، أو حتى، كما قالت لي إحدى الصديقات الأميركيات، تأبه به. إذ، وكما تقول تلك الأميركية، إن القائمين على السياسة الأميركية.
وفي هذه المرحلة التاريخية بالذات، لا يأبهون بمشاعر الناس تجاه سياساتهم، ولا بالأرواح والمعاناة البشرية التي يخلقونها للآخرين، الذي يهمهم فقط هو الحصول على المكاسب المادية والثروات الطائلة.
وحين يدرك الكثيرون، حتى من أهالي الولايات المتحدة، أن المكاسب تذهب إلى قلة من البشر ولا تستفيد منها شعوبها بدرجة كبيرة، فإن الحقد على اولئك البشر الذين يعاظمون ثرواتهم من دماء الشعوب، التي يعتصرونها ويشربون أنخابها على موائدهم، ستسهم أيضا في زيادة الغضب ضدهم والحقد عليهم في بلدهم نفسها.
ومظاهر ردّات الفعل الغاضبة واضحة في ذلك البلد، سواء من خلال المظاهرات التي تنظمها الفئات المعارضة، أو الكتابات التي ينشرها الشرفاء، أو حتى الخائفين على مستقبل بلدهم وشعوبه، وتظهر في بعض وسائل الإعلام غير الخاضعة للسيطرة الكاملة من قبل أثرياء الحروب الغاشمة.
أو من خلال مواقف بعض المثقفين والكتاب والنشطاء في مجالات الحريات المدنية أو حقوق الإنسان بشكل عام. لكن لا يبدو أن كل هذه الأمور تؤتي ثمارها، على الأقل في وقتنا الحاضر.
إن المتتبع للمساحات التي تؤخذ فيها كرامة الإنسان وحريته وحقوقه المدنية والسياسية بعين الاعتبار، يدرك أن هذه المساحات لم تعان من الاعتداء عليها والتقليل منها ومحاربتها كما هو الوضع في الوقت الحاضر.
فعلى الرغم من الدعوات الكاذبة إلى احترام الإنسان وإلى احترام حقوقه المدنية والسياسية واختلافاته وثقافاته والحفاظ عليها ، إلا أن الواقع يشي بأن كل هذه الدعوات ليست إلا غطاء كثير الاهتراء والثقوب تحاول من خلاله جنرالات الحرب تغطية هتكها، ليس فقط لحقوق الإنسان المدنية والسياسية، بل حقه البسيط في البقاء على سطح الأرض، دون أن تغتاله أسلحتهم وطائراتهم.
المتتبع لشؤون الإنسان يعرف أيضا أن عالم السياسة لم يشهد تدهورا على مستوى الأخلاق بالقدر الذي نراه اليوم. فكل الدعوات التي تطرح على مستوى احترام الإنسان لا يقابلها في الواقع إلا كافة أشكال الانتهاكات لتلك الدعوات.
فالدعوة إلى الديمقراطية يقابلها إبادة الشعوب التي ترفض احتلالها والعبث في مكتسباتها أو فرض أنواع معينة من الأنظمة عليها.
وأبسط، بل ربما يصح أن نقول أقسى مثال أيضا على انتهاكات حقوق الإنسان هو أن نسمع التشدق باحترام اختلافاته الثقافية وحقه في الحفاظ على كياناته المعرفية والفكرية واللغوية، ثم تنتهك هذه الحقوق من قبل نفس الأشخاص الداعين لها.
أما الدعوة إلى احترام خصوصيات الإنسان وعدم انتهاك مساحاته الحياتية، الخاصة فيقابلها بدرجة عالية زيادة العمل على توسيع دائرة مراقبته وانتهاك أبسط خصوصياته من خلال أجهزة دقيقة تركب له حتى في هواتفه التي يستعملها، أو سيارته، أو حتى حشوة أسنانه، أو من خلال ذبابة الكترونية صغيرة تدخل إلى بيته، وكل ذلك بدعوى الحفاظ على الأمن والسلامة العامة.
لاشك أن طبيعة الكون تجعلنا على يقين أن الثبات ليس من خصائصه، وأن الإمبراطوريات تحمل فناءها في ذاتها، كما يقال، وان هذا البطش الذي يمارس اليوم على البشرية في أنحاء عديدة من الأرض لن يبقى للأبد، لكن القلق البشري تجاه الخوف من الطغيان يبقى كما هو. فهل، إن ثبتت بعض الطروحات، سيشهد العالم مرحلة من السلام في السنوات المقبلة، وما هو ثمنها؟
جامعة الإمارات