هدأ بصورة واضحة الجدل الصاخب الذي دار في الدول العربية حول عملية الإصلاح السياسي، وهو الأمر الذي يعطي مؤشرات واضحة حول عدم جدية معظم الحكومات العربية في هذه العملية برمتها، وتراجع حتى الحديث حول الإصلاح على الرغم من انه كان حديثا مستمرا في الوقت الذي لم تكن فيه الحكومات التي تتحدث تقوم بأية جهود أو خطوات على الأرض تفيد بأنها تنوي البدء في هذه العملية.
وإذا كنا نستطيع أن نقول إن تراجع الحديث عن الإصلاح يعود إلى أسباب متعددة معظمها له علاقة بتطورات تحدث خارج المجتمعات التي تسعى إلى الإصلاح، مثل ما تواجهه الولايات المتحدة من مأزق في العراق، والتراجع الذي يواجهه تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة،
وهو التيار الذي رفع لواء الإصلاح العربي من اجل تنفيذ أجندته المتعلقة بالسيطرة الكونية للولايات المتحدة على النظام العالمي، وهو طرح في هذا الصدد مشروعه المتعلق بالشرق الأوسط الكبير الذي يقدم أجندة غربية للإصلاح لم توافق عليها معظم الحكومات العربية، ولا معظم دوائر النخب العربية أيضا، لكنها لم تقدم مشروعا بديلا يمكن اعتباره المشروع العربي للإصلاح. لكنها قدمت تصورات عبر جامعة الدول العربية وأيضا عبر مؤسسات ثقافية عربية لم تكن سوى وسائل منها لامتصاص الضغوط الخارجية.
والحاصل ان الحكومات العربية تطرح أسباباً متعددة في مواجهة القوى المطالبة بالإصلاح تؤكد كلها أن المجتمعات العربية ليست جاهزة لعملية الإصلاح، وعلى الأخص الجانب السياسي منه، بالنظر إلى أن نفس هذه الحكومات قد قامت بعمليات متعددة للإصلاح الاقتصادي متصورة أن ذلك يمكن أن يخفض من الضغوط الخارجية التي تمارس عليها من اجل البدء في الإصلاح بجوانبه المتعددة والمعقدة.
ويمكن القول إن معظم الحكومات العربية تدرك أن الذين يضغطون عليها من اجل الإصلاح، يتخذون موقفا مضادا للحركات الإسلامية، وان احد أسباب ضغوطها هو ان الجمود وعدم الحراك السائد في المجتمعات العربية هما اللذان يفتحان الباب أمام تصدر التيار الديني للمشهد السياسي لأن هذا التيار يستمد قوته من الطابع التقليدي للمجتمعات التي يلعب الدين دورا مركزيا في تفكير أفرادها.
وتعتقد الحكومات ان هذا الأمر سوف يدفع الغرب، أي الولايات المتحدة وأوروبا، لأن تخفف من ضغوطها عليها وتتغاضى عن الشق السياسي من الإصلاحات المطلوبة. في مقابل ذلك فإن نفس الحكومات تطرح هذا السبب أمام النخبة المدنية حتى تصبح الأخيرة بمثابة قاعدة سياسية لها في مواجهة الضغوط الغربية والمطالب الداخلية للإصلاح في آن واحد.
ولكن السبب الذي يقف وراء موقف الحكومات هو إدراكها أن الإصلاح سوف يقلص من صلاحيتها بصورة واضحة، فضلا عن انه يمكن أن يؤدي إلى هدم بنى كاملة للسلطة وإحلال بنى أخرى جديدة مكانها على النحو الذي حدث من قبل في الاتحاد السوفييتي السابق الذي أدى فيه تطبيق الإصلاح المسمى بالبيروسترويكا إلى الهدم الكامل للبنية الاتحادية الاشتراكية وقيام دول جديدة على أنقاض دولة واحدة سابقة.
وبالطبع فإن الحكومات المتلكئة في العملية الإصلاحية تطرح أسبابها المتعددة التي تؤكد أن المجتمعات العربية غير جاهزة لتطبيق الشق السياسي من العملية الإصلاحية. وفي مقدمة هذه الأسباب ما يتعلق بالبنية الاجتماعية للمجتمعات ذاتها، حيث إن معظم المجتمعات العربية يقوم على بنى تقليدية طائفية أو مذهبية أو دينية وهذه الانقسامات ـ من وجهة نظر الحكومات بالطبع ـ تعني أن تطبيق الإصلاح سوف يفتح جروحا لم تلتئم في المجتمعات بما يزيد من الانقسامات داخلها بدلا من تعزيز الروابط بين أبنائها.
وثاني الأسباب التي تطرحها الحكومات يتعلق بالثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية حيث إن أبوية هذه المجتمعات، أي بنيتها البطريركية من الناحية الاجتماعية، وضعف الوعي السياسي لدى أبنائها وتسلط الأفراد على بعضهم البعض سواء داخل الأسرة ام في كافة أشكال التدرج الاجتماعي داخل المجتمع من مؤسسات عمل ومدارس وغيرها، يعني ان تطبيق الديمقراطية لن يكون كاملا، من وجهة نظر هذه الحكومات بالطبع،
وهذا الأمر يعني ـ من وجهة نظرها أيضاً ـ ان أفراد المجتمع يحتاجون إلى تدريب مستمر ومتواصل على العملية الديمقراطية حتى يحدث التغيير المنشود في ثقافتهم السياسية ويستطيع المجتمع أن يطبق الديمقراطية على أسس سليمة ونافعة. وثالث الأسباب مرتبط بالسابق وهو يتمثل في ارتفاع نسبة الأمية وانخفاض مستوى التعليم وتطرح هذه الحكومات، أو بمعنى أدق منظروها السياسيون، مقولة مفادها ان هذا الأمر يجعل الاختيار الديمقراطي أمراً بعيد المنال وبالتالي لابد من تجهيز المجتمع أولاً لعملية الإصلاح قبل البدء في الإصلاح ذاته.
وتضيف الحكومات إلى هذه الأسباب سبباً آخر يتعلق بالاقتصاد، حيث إن الإصلاح السياسي ـ من وجهة نظرها ـ لا يمكن أن يتم من دون إصلاح اقتصادي يولد طبقة وسطى تطالب بالإصلاح وتحافظ عليه وهذا الأمر، أي وجود الطبقة الوسطى، كان هو عماد كافة المجتمعات الديمقراطية. من هنا فعلى المجتمعات ان تتمسك بالإصلاح الاقتصادي والتنمية، من دون النظر لمن المستفيد منها، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للإصلاح السياسي.
ولسنا في حاجة إلى القول إن معظم الحكومات العربية التي تحكم معظمها منذ فترات طالت ووصلت إلى ما يربو عن الربع قرن فشلت في تحقيق كافة المتطلبات التي يمكن أن تجعل من المجتمعات العربية جاهزة لعملية الإصلاح السياسي، الأمر الذي يعني أن الوضع المقلوب يمكن أن يكون هو الحل، أي أن يكون تطبيق الإصلاح هو الطريقة المطلوبة لكي تصبح المجتمعات العربية جاهزة له حيث انه يمكن أن يؤدي إلى جهوزيتها بصورة تدريجية وعلى المدى المتوسط. وهذا الأمر ستكون له بالطبع تأثيرات سلبية لكنها يمكن أن تكون مؤقتة ومن السهل تلافيها.