لا يزال الاحتشام مطلباً عزيزاً في كثير من الأماكن العامة في الدولة، على الرغم من كثرة النداءات والأصوات المطالبة بضرورة مراعاة هوية هذا البلد المحافظ، والمتمسك بتعاليم دينه وبعاداته وتقاليده. وقد تردد كثيرا الحديث عن ضرورة إلزام النساء بالاحتشام في الأماكن العامة، كالمجمعات التجارية، والحدائق العامة، والشواطئ، حتى إن كانت حرارة الطقس عندنا تفوق احتمالهن، فنحن لسنا مجبرين على رؤية مناظر خادشة للحياء، ومسببة لإحراج الكثيرات من نساء البلد وغيرهن ممن أصبحت فرص الخروج بالنسبة لهن محدودة لأن هذه المناظر تحاصرهن وتحرجهن مع الوالد، أو الأخ، أو الزوج، أو الابن.

ولن أكرر الدعوات الكثيرة والمستمرة التي لا تزال تتردد على مسامعنا، عبر كل الوسائل الممكنة، مع أنها ضرورية، واستمرارها ضروري أيضا إلى أن تجد هذه القضية حلاً حازما وصارما، ولكني في هذا المقال أركز على نوع مختلف من الحشمة، لا يتوقف عند لبس النساء أو الرجال الموجودين بيننا في الشوارع والمجمعات والشواطئ، ولا يتوقف عند اللوحات الإعلانية التي تفجعنا بمناظر غريبة تماما على ثقافتنا ومرفوضة تماما عند شعب مرجعيته الأولى الدين الإسلامي، والثانية العادات والتقاليد التي تتكئ على الدين كثيرا.

في هذاالمقال سأتوقف عند نوع من الحشمة، لم يكن ليخطر لي على بال، لولا توالي المواقف، وتعددها، وتتابعها بدرجة لفتت انتباهي، وأصبحت بعدها أفكر في الأمر، وألاحظ، إلى أن وجدت أن الأمر مقصود أو شبه مقصود، وليس نتيجة مصادفات سيئة، كما كان يخطر على بالي من قبل، ولا نتيجة إهمال الأشخاص المسؤولين كما كنت أفسر الأمر أحيانا.

لقد انتشرت ظاهرة وضع شاشات تلفزيونية بأحجام كبيرة في معظم المطاعم والمقاهي في الدولة منذ سنوات، خصوصا في تلك المقاهي والمطاعم الموجودة في المجمعات التجارية الكبرى. وهذا أمر لا غرابة فيه ولا غبار عليه، لكن المهم هو القنوات التي تُثَبَّت عليها هذه الشاشات لساعات طويلة في اليوم، وربما يتم تثبيت بعض القنوات في بعض الأماكن كل يوم، وفي كل الأوقات، دون مراعاة لطبيعة الزبائن الموجودين في المطعم أو المقهى، أو لأعمارهم، أو لأي اعتبار آخر.

إن الهدف من وضع مثل هذه الشاشات تجاري ربحي بالدرجة الأولى، ولا يمكن ادعاء أنها وضعت لأي هدف آخر، تثقيفي أو ترويجي، ولكن تحقيق الهدف التجاري لا ينبغي أن يكون على حساب البعد الأخلاقي، الذي إن ذهب ذهبت معه الأمم كما قال أمير الشعراء من قبل.

ولكن الواقع يقول عكس هذا؛ فقد لاحظت من خلال التردد على الكثير من المطاعم والمقاهي، لهدف واحد ومحدد وهو معرفة القنوات التي تُعرض من خلال شاشاتها، بعد أن شعرتُ بالحرج غير مرة أثناء وجودي في مطعم أو مقهى فأفاجأ بلقطة غير لائقة تُعرض على شاشة تحتل جزءا كبيرا من أحد جدران المكان الذي أنا جزء منه في تلك اللحظة، أو متوزعة على شاشات عدة منثورة في زوايا المكان المختلفة، بحيث يجد المرء ذلك المنظر المشين مواجها له أنى التفت.

إن المتابع لهذه الشاشات بحرص وبنية سابقة لمعرفة طبيعة القنوات التي يميل إليها أصحاب الكثير من المطاعم والمقاهي ويفضلون تثبيت الشاشة عليها معظم ساعات اليوم سيجدها لا تتجاوز تلك القنوات التي تبثّ الأغاني الهابطة طول الوقت، ومن المعروف أن الأغاني الهابطة التي تفتقر إلى مقومات الغناء الأصيل والطرب الحقيقي تعتمد في الترويج لنفسها على جوانب أخرى، وهذه الجوانب هي سبب اختيار أصحاب المطاعم والمقاهي لها.

كما يقع اختيار بعض أصحاب المطاعم والمقاهي على القنوات التي تبثّ الأفلام طوال الوقت، وهذه القنوات لا تهتم بحذف المشاهد واللقطات التي تتضمن مشاهد ساخنة لا تصلح للعرض خصوصا في الأماكن العامة، ولا أظن أن أصحاب المطاعم والمقاهي يجهلون طبيعة ما يُعرض في هذه القنوات، ومع هذا لا يترددون في تعريض الكثير من زبائنهم ورواد محلاتهم للحرج إرضاء لغيرهم، وجذبا للمزيد منهم.

بعض المطاعم والمقاهي تختار القنوات التي تبث عروضا للأزياء وحفلات اختيار ملكات الجمال،أوالإعلانات عن أدوية التخسيس أو أحزمتها، وغير هذه البرامج التي تتركز في معظمها حول الجسد، وتكشف بشكل أو بآخر عن قدر كبير منه، وهو في الغالب جسد أنثوي، ومعظم رواد المطاعم والمقاهي، خصوصا في المدينة التي أقيم فيها معظم الأسبوع هم من الذكور، وهذا قد يكون سببا عند أصحاب تلك المحلات لجذب هؤلاء الزبائن، أيا كان الثمن.

والسؤال المنطقي الذي كان يلحّ عليّ أثناء وجودي في مطعم أو مقهى يضع شاشة تعتصم بقناة من القنوات المروجة للأغاني الهابطة المعتمدة على لغة الجسد، أو الأفلام التي لم يمر عليها مقص رقيب، أو عروض الأزياء الفاضحة، وما شابه ذلك، هو: أين الرقابة الأخلاقية عن كل هذا؟ وأعني بالرقابة أولا الرقابة الذاتية، ثم أعني رقابة المسؤولين عن هذه الأماكن؛ فهل يكفي أن توجد لدينا رقابة على نظافة المكان، والتزامه بالشروط الصحية وشروط السلامة، ونحن نغض الطرف عما هو أهم من ذلك؟

وهل وجود مثل هذه المناظر المعروضة جهارا نهارا في كثير من المطاعم والمقاهي صار أمرا طبيعيا لا يستنكره أحد، وربما لا يلاحظه؟ بل هل أصبحت مثل هذه الشاشات بما تعرضه من مناظر فاضحة وخادشة للحياء ضرورية لاجتذاب الزبائن؟ أم أنه الطمع الذي يضيع الدين والأخلاق دون أن يجد من يردعه أو يوقفه عند حده؟

إن هذا الأمر قد يدخل في حيز المقبول والمألوف إذا لم يجد من يتصدى له، وهو ما يوشك أن يكون حاصلاً بالفعل، ولكن من الممكن استدراك ذلك بقليل من الاهتمام، مع اتخاذ قرارات حاسمة بشأنه، تجبر أصحاب المطاعم والمقاهي على احترام عادات البلاد وتقاليدها، مع وضع ضوابط ثابتة لما يُعرَض على الشاشات، مراعاة للزبائن المختلفين، وتجنبا لإحراجهم.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com