مقولة رئيس تركمانستان صابر مراد نيازوف الشهيرة «رائحة الدم عادت تفوح من بحر قزوين» ثبت صدقها بشكل واضح في الأيام الماضية، وخاصة مع تصاعد الحملة الأميركية ضد إيران بسبب برنامجها النووي، حيث بات واضحا أن الولايات المتحدة تسعى بجدية لعسكرة بحر قزوين وتأسيس قواعد عسكرية لها على شواطئه حتى تتمكن من محاصرة إيران شمالا من قزوين وجنوبا من الخليج العربي،
ونتذكر في هذا الشأن الزيارة السرية التي قام بها وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد لجمهورية أذربيجان، والتي قيل إنه ناقش مع القيادة الأذربيجانية مسألة تأسيس قواعد عسكرية أميركية ونشر رادارات حديثة على شواطئ أذربيجان، وأيضا تصريحات الجنرال جونسون قائد قوات حلف الناتو في أوروبا حول سعي الحلف لنشر قواته في بحر قزوين.
وعلى ما يبدو أن أذربيجان هي الدولة المرشحة لاستضافة القوات الأجنبية من بين دول بحر قزوين الخمس (روسيا وإيران وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان)، وهناك أسباب كثيرة ترشح أذربيجان لهذه المهمة، ومنها الخلاف بينها وبين باقي الدول الخمس حول تقسيم ثروات بحر قزوين، وخاصة مع إيران التي أصبحت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أقل الدول الخمس حدودا على البحر بنسبة 11% بينما حدود أذربيجان تصل إلى 23%،
ولهذا تطالب إيران بتقسيم ثروات البحر بالتساوي باعتباره بحيرة مغلقة لا تخضع لقوانين البحار الدولية، بينما ترى أذربيجان أن قزوين بحر يخضع لقواعد القانون الدولي البحري ويتم تقسيمه وفق حدود كل دولة على شواطئه، ومازالت المشكلة قائمة، كما أن أذربيجان على خلاف كبير مع إيران بسبب دعم وتأييد طهران لجمهورية أرمينيا المسيحية في نزاعها مع أذربيجان حول إقليم ناجورنو كاراباخ،
ولهذا لم تجد واشنطن من يقبل تواجدها العسكري على أراضيه من دول بحر قزوين الخمس سوى أذربيجان، خاصة وان باقي الدول تعلم جيدا الهدف من وراء التواجد العسكري الأميركي في بحر قزوين. العداء بين واشنطن وطهران قديم منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، ولكن واشنطن لم تضع بحر قزوين في حساباتها الاستراتيجية إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وزاد التنافس على نفط بحر قزوين من اهتمام الأميركيين به،
وهكذا يصبح النفط والاستراتيجية العسكرية محوري المساعي الأميركية في قزوين مثلما هما محورا التواجد الأميركي في العراق، الأمر الذي يرجح معه المراقبون احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران إن آجلا أو عاجلا، وربما يؤكد هذا تقرير مجلس الأمن القومي الأميركي لعام 2000، أي قبل أي حديث عن تهديدات برنامج إيران النووي بنحو أربعة أعوام، هذا التقرير الذي ربط بين بحر قزوين في الشمال والخليج العربي في الجنوب كمحوري حصار لإيران،
والغريب أن التقرير أشار إلى أذربيجان كنقطة انطلاق للعسكرية الأميركية في بحر قزوين، على الرغم من أن علاقات واشنطن مع كازاخستان آنذاك كانت أقوى، وكان نظام الرئيس الراحل حيدر عالييف في أذربيجان على وفاق وتفاهم مع روسيا بشكل لا يسمح لواشنطن بالتواجد العسكري على أراضيه، إلا أن واشنطن كانت تعلم أن عالييف الأب سوف يرحل بسبب مرضه الشديد، ولهذا وطدت علاقاتها مع إلهام عالييف الابن ووضعت خططها على هذا الأساس، وهو ما تسعى لتنفيذه الآن.
موسكو التي تستشعر مخاطر التواجد العسكري الأميركي في بحر قزوين لديها معلومات شبه مؤكدة عن طريق تقارير استخباراتية تفيد أن الولايات المتحدة تخطط لحرب قادمة في آسيا الوسطى، وأن إيران هي الدولة المرشحة لهذه الحرب، وهذه التقارير الاستخباراتية ترجع إلى منتصف التسعينات، والتي قيل انها تسربت من داخل البنتاغون،
أي أن الخطط العسكرية الأميركية ليس لها علاقة بالبرنامج النووي الإيراني الذي جاءت أزمته المتصاعدة لتشير إلى اقتراب موعد تنفيذ الخطط الأميركية في آسيا الوسطى، ولكن الجديد في الأمر، والذي ربما يعوق تنفيذ هذه المخططات الأميركية، أن الاستراتيجية الأميركية وضعت في منتصف التسعينات أثناء حكم الرئيس يلتسين في روسيا، والذي كانت ترى فيه واشنطن صديقا وربما حليفا لن يعوق مخططاتها، وهو الذي قبل بتوسعات حلف الناتو حتى وصل إلى حدود روسيا الغربية،
أما الآن فإن الأمر يختلف تماما في ظل حكم الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين، والذي لن يقبل بالطبع أي تواجد عسكري أميركي في بحر قزوين، ولن يقبل أيضا توجيه أي ضربة عسكرية لإيران الصديقة، وربما الحليفة لروسيا. وقد طرحت روسيا في اجتماع الدول الخمس الواقعة على بحر قزوين مبادرة بتشكيل قوات عسكرية مشتركة من هذه الدول تتولى حماية أمن بحر قزوين، وهذه المبادرة تستلزم بالضرورة رفض وجود أية قوات عسكرية أجنبية في البحر، وخاصة الأميركية،
باعتبار وجود خلافات حادة بين طهران وواشنطن، ولم يكن من الصعب على موسكو إقناع أذربيجان بقبول هذه المبادرة، وقد أبدت الحكومة الأذربيجانية بالفعل ترحيبها بالمبادرة، إلا أن باكو لم تعد بطرد الأميركيين من أراضيها، وادعت أن بينها وبين واشنطن تعاونا اقتصاديا في حقول النفط في بحر قزوين يستلزم هذا الوجود العسكري الأميركي على الشواطئ الأذربيجانية في شكل محطات للرادارات لضمان أمن حقول النفط وخطوط نقله ضد الإرهاب والمخربين، وإن كانت هذه الحجج غير مقنعة،
إلا أن موسكو وطهران لم تمارسا المزيد من الضغوط على أذربيجان التي وافقت على الانضمام إلى القوات العسكرية المشتركة التي اقترحتها روسيا، ويرى القادة الروس انه بمجرد تشكيل هذه القوات وانتشارها في بحر قزوين سوف يكون أي وجود أميركي عديم القيمة ومشلول الحركة في بحر قزوين.
واشنطن تسعى بجدية لإفشال المبادرة الروسية حول تكوين القوات المشتركة، وتزيد من إغراءاتها وضغوطها أيضا على النظام في أذربيجان، حيث أن القيادة العسكرية الأميركية تعلم جيدا أنه من الصعب خوض حرب مع إيران بدون تأمين الجبهة الشمالية المفتوحة بين إيران وروسيا، والتي ستكون مصدرا للدعم العسكري لإيران علنا أو سرا حسب تقديرات العسكريين الأميركيين، ويتوقع المراقبون أن تنجح واشنطن في مساعيها مع أذربيجان عاجلا أو آجلا، وحينئذ ستشرع أميركا في تصعيد حملتها على إيران حتى تصل إلى ذروتها لتندلع الحرب المخطط لها مسبقا في دوائر البنتاغون منذ منتصف التسعينات.
أستاذ الفلسفة ـ جامعة سيبيريا