عودتنا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية، على تصريحات فيها الكثير من اللا واقعية، فهي تسرف في التفاؤل حتى في الوقت الذي لا يبدي رئيسها وحليفه البريطاني توني بلير ذلك. فقد ظهر الرئيس الأميركي، وحليفه البريطاني في مؤتمر صحافي مشترك وهما يحاولان تجميع شتات ذهنيهما المتعبين، إذ يرى الأول صورته باهتة لدى الرأي العام الأميركي وقد تقهقرت شعبيته إلى رقم لم يصله رئيس أميركي في السابق وهو 31 %،
في حين يعاني حليفه البريطاني من واقع أكثر مرارة و إيلاماً في بيته وهو يرى شعبيته تنخفض إلى رقم مخيف بلغ 26 % فقط، مما جعله يفكر، ويشاركه في هذا التفكير بعض قادة حزبه، بضرورة التنحي عن زعامة حزب العمال وبالتالي عن رئاسة الوزراء في الصيف المقبل مفسحاً بذلك المجال أمام منافسه القوي غوردون براون لتولي زعامة الحزب.
وقد أعرب الرئيس الأميركي عن حزنه لأنه سيفتقد رؤية ربطة العنق الحمراء التي اعتاد رؤيتها تزين صدر صديقه وحليفه طيلة فترة اللقاءات العديدة التي جمعتهما كصديقين وحليفين حميمين منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، مروراً بالتاسع من أبريل عام 2003 حين عززت الحملة العسكرية المشتركة على العراق عرى التحالف و المحبة بينهما، ووصولاً إلى الواقع العراقي الموحل الذي يوشك أن يعصف بإدارتيهما.
لقد اعترف الزعيمان في مؤتمرهما الصحافي المشترك، الذي نشرت وقائعه الصحف في السابع والعشرين من مايو المنصرم، بارتكاب الكثير من الأخطاء في العراق، وهو انتقاد ذاتي نادر، إلا أنهما دافعا بشدة عن قرار الحرب وإسقاط النظام العراقي. ويبدو أن عدوى الإعتراف بالأخطاء قد انتقلت إليهما من الوزيرة كوندوليزا رايس التي اعترفت في مناسبة سابقة بأن بلادها ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية في العراق.
ولابد من الإشارة في هذا الصدد، إلى أن الأخطاء المرتكبة هي أخطاء الإدارة الأميركية بالدرجة الأولى بحكم التباين الشاسع في الدور الذي لعبته وتلعبه قوات البلدين. ورغم هذه الإعترافات فقد أبديا قليلاً من التفاؤل الخجول بنجاح الحكومة العراقية الجديدة في مهامها.
وفي الوقت الذي لم يخف هذان الزعيمان قلقهما من تردي الأوضاع في العراق والعجز الواضح في معالجة هذا التردي، ولم يرسما صورة متفائلة وردية لما ستكون عليه الحال في المستقبل، أدلت رايس بتصريح لمحطة فوكس التلفزيونية في الخامس والعشرين من مايو المنصرم تحدثت فيه عن الكثير من الخطوات الناجحة التي أنجزت في بناء مؤسسات الدولة العراقية الجديدة على أسس ديمقراطية لتخلص إلى القول: «ليس المرء بحاجة ليكون صاحب رؤية ليرى الوضع بعد سنوات قليلة ويرى أن عراقاً مستقراً قد يجعل الشرق الأوسط مختلفاً مثلما جعلنا أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية».
إن نظرة سريعة إلى الخارطة السياسية الأوروبية ترينا بأن أوروبا الغربية قد عرفت السلم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بعد القضاء على دولتي المحور الأوربيتين ألمانيا وإيطاليا. فألمانيا بطموحاتها الإستعمارية وقوتها الإقتصادية والعسكرية وسعيها الحثيث لتجاوز الدولتين الأوروبيتين الأخريين، بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا قد سبقتاها في السيطرة على معظم الموارد الطبيعية المعروفة آنذاك في العالم، كانت هي المصدر الأساسي في إقلاق سلم القارة الأوروبية على أمد طويل.
كما أن ضم أوروبا الغربية بمعظم دولها إلى حلف الأطلسي جعلها بالضرورة تنتهج سياسات خارجية متقاربة، منحتها المناعة الكافية ضد قيام حروب فيما بينها ،رغم أنها على المستوى الإستراتيجي لم تمنحها الأمان. فعبر ما يزيد على أربعة عقود من الزمن، كانت هذه الدول تحت مظلة خوف منقطع النظير فرضته آلاف الصواريخ النووية الموجهة إليها من منظومة الدول الإشتراكية كرد فعل للصواريخ النووية الموجهة ضد الأهداف الحيوية في الدول الإشتراكية من قواعد أميركية بنيت في أراضي هذه الدول.
أما منطقة الشرق الأوسط فهي ليست أوروبا الغربية، وإنما هي ساحة مهددة بالإشتعال بسبب الإحتقانات الإثنية والمذهبية المتنوعة والمتراكمة منذ أمد طويل، وهي منطقة اختارتها الولايات المتحدة لفرض سيطرتها على العالم طالما بقي النفط المصدر الرئيسي الأكثر رخصاً للطاقة حتى منتصف القرن الحالي، حسب ما يراه خبراء الطاقة، إذ هي المنطقة الأكثر غنى بالنفط والغاز في العالم.
لنذكر بضع نقاط تحاورية مع طروحات رايس:
1- لقد رحبت معظم دول أوروبا الغربية بدخول قوات الحلفاء لتحريرها من احتلال النازي أو التهديدات بالإحتلال، كما أن ألمانيا نفسها لم تكن بعيدة عن الأجواء الديمقراطية، فالحزب النازي بزعامة هتلر قد وصل إلى الحكم عن طريق الإنتخابات. فهل ترحب دول الشرق الأوسط بالقوات المتحالفة إذا دخلت لإحتلال بلدانها كما حدث في العراق ؟ الجواب يقيناً سيكون كلا، خاصة بعد التجربة العراقية.
2- قام الحلفاء بضخ أموال هائلة في الإقتصاد الألماني ( مشروع مارشال) لإعادة تأهيله وقد نجحوا في ذلك بسبب ملاءمة الأجواء آنذاك لإعادة بناء الدولة، وأصبحت ألمانيا الآن صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة. أما في العراق، البلد الأول في المنطقة الذي تجرى فيه تجربة الديمقراطية، حسب ما تذكره رايس، فرؤوس الأموال الوطنية نفسها قد هربت إلى الأسواق الخارجية، وليس هنالك من مستثمر، عراقي أو غير عراقي، يجازف بتوظيف أمواله في بلد الفوضى فيه هي القاعدة وليس الاستثناء.
3- هنالك فرق كبير في مستوى التطور الإقتصادي والإجتماعي والفكري بين أوربا الغربية التي كان لها قصب السبق من الناحية التاريخية في العلوم والتكنولوجيا والفنون وبين الشرق الأوسط الذي يتكون من دول نامية تسعى جاهدة للحاق بالدول الغربية.
4- هنالك جانب واحد فيه قدر كبير من التشابه بين ما قدمته الولايات المتحدة لأوربا الغربية وما تنوي تقديمه في الشرق الأوسط، ففي الحالة الأولى جعلت من دول أوروبا الغربية درعها الأول في تصديها للشرق السوفييتي، أما في الشرق الأوسط فهي ترغب في جعله أداة هامة في التصدي لصعود دول، تعتبرها منافسة، إلى مصاف الدول العظمى عن طريق السيطرة على الخزين العالمي من النفط والغاز.
إن تجربة السنوات الثلاث في العراق لا تغري دولاً أخرى في المنطقة بالترحيب بالمشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير، كما أن حكومة الولايات المتحدة أعجز من أن تسعى للمواصلة ما فرضته بالقوة في العراق على دول أخرى في المنطقة، فلم تعد سياساتها تحظى بالترحيب لدى دافعي الضرائب، كما أنها لم تعد تلقى الدعم الكافي من جهات دولية أخرى ومن الرأي العام العالمي.
لذا فإن المقارنة بين أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية والشرق الأوسط واردة في محور واحد فقط، وهو قيام أجواء مشابهة للأجواء التي سادت في أوروبا على مدى يزيد على أربعة عقود من الزمن، وهي أجواء الحرب الباردة التي سيصبح العراق، بالعديد من القواعد العسكرية الأميركية على أرضه، أحد أطرافها، ويصبح الطرف الآخر بقية دول المنطقة. عند ذاك تدخل شعوب هذه المنطقة في طور جديد من صراعات لم تعهدها في السابق، صراعات قوامها تفتيت الإنتماءات وتبذير الثروات وإضاعة الفرص الحقيقية للتقدم.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae